لم أكتب هذه الرواية لأحكي قصة عائلة فحسب، بل لأفتح نافذة على عالم ظل الناس يخافون الاقتراب منه. عالم يعاقب فيه المريض لأنه مريض، ويدان فيه المتألم لأنه لا يعرف كيف يشرح ألمه.
في سنوات مضت، رأيت بشرا يسقطون بصمت لأن أصواتهم الداخلية كانت أعلى من قدرة العالم على الإصغاء. رأيت من ظن أن الوحدة عدوه الوحيد، فإذا بها تتحول إلى أمنية يائسة حين يكتشف أن البديل عنها هو صوت يسكن رأسه، يأمره، يوبخه، يهدده، ويقوده إلى حافة الهاوية.
كان أحدهم يقول لي ذات ليلة:
"كنت أشعر بوحدة قاتلة، ولكن عندما بدأت أسمع هذه الأصوات داخل رأسي، بدؤوا باتهامي بالجنون. ابتعدوا عني. رجعت إلى وحدتي مرة أخرى، ولكني محبوس داخل رأسي مع وحش أخشى على حياتي منه… يأمرني بأشياء لا أستطيع فعلها. ليتني لم أتمن أن أتخلص من وحدتي تلك."
في تلك اللحظة أدركت أن الخوف الحقيقي ليس مما يراه الإنسان، بل مما يسكنه.
وأن العقل مهما بدا قويا قد يتحول بين يوم وليلة إلى قفص يضيق على صاحبه حتى يختنق.
هناك أشخاص يعيشون طوال حياتهم في معركة لا ترى، معركة ضد أصوات لا يسمعها أحد سواهم. أصوات لا ترحم، لا تتوقف، لا تترك لهم جسدهم ولا نومهم ولا رغبتهم في العيش.
وهم، رغم كل ذلك، يطالبون بأن يتصرفوا "طبيعيين"، وأن يكتموا صمتا لا يقدر أي منا على حمله لساعة واحدة.
أحدهم حكى لي مرة وأنا أستمع إليه كمن يستمع لاعتراف من عالم آخر:
"أتذكر جيدا أول مرة سمعت فيها صوتا ما. التفت لأجيب، ولكني لم أجد شيئا. ظننت في بادئ الأمر أني أخطأت، ولكن استمرت الأصوات في التزايد… والغريب أني الوحيد الذي يسمعها. أحيانا تبكي بحرقة، وأحيانا تضحك بجنون، وأوقات أخرى تصرخ طالبة النجدة. وأنا أصرخ معها… أبكي معها؛ فأنا حقا لا أستطيع أن أطردها من عقلي. فكرت كثيرا في الانتحار… ولكني أخشى الموت حقا."
من يسمع اعترافا كهذا لا يعود كما كان، يفهم أن المرض النفسي ليس ضعفا، بل جرح داخلي ينزف دون دم.
وأن الإنسان قد يقتل نفسه لا لأنه يكره الحياة، بل لأنه لم يعد يحتمل الصوت الذي يطالبه بالموت.
لهذا كتبت هذه الرواية، كتبتها لأن الألم الذي لا نراه هو الأكثر فتكا، ولأنني أعرف يقينا أن كثيرين يعيشون بيننا يبتسمون نهارا ويصارعون أشباحهم ليلا.
ولأنني أعلم أيضا أن المريض بالوسواس القهري، والمصاب بالذهان، وضحية الهلاوس ليس مجنونا كما يصفه الناس، بل هو إنسان سمع ما لا ينبغي أن يسمعه أحد، ورأى ما لا يجب أن يرى، وحارب في داخله أكثر مما حاربنا نحن في الخارج.
كتبت لأقول للقارئ:
إذا كان في دائرتك القريبة شخص يعاني من الوسواس أو الهلاوس، فاستمع… ثم استمع… ثم استمع.
فما يقوله ليس خيالا، بل أمر تمليه عليه الأصوات التي تستوطن عقله. أصوات قد تدفعه إلى إيذاء نفسه أو من يحب إن ترك وحده.
وكتبت لأقول للعالم:
إن الصمت أخطر من الألم، وإن الوحدة قد تتحول إلى لعنة، وإن العقل حين يهزم… يسقط معه كل شيء.
هذه الرواية ليست لتقرأ فقط، هذه الرواية لتشعر، ولتفهم، ولتتذكر أننا جميعا نمشي فوق خيط رفيع بين العقل والهاوية.
وأن من سقط… لم يسقط لأنه أراد ذلك، بل لأن صوته الداخلي كان أعلى من أن يقاوم.
لم أكتب هذه الرواية لأحكي قصة عائلة فحسب، بل لأفتح نافذة على عالم ظل الناس يخافون الاقتراب منه. عالم يعاقب فيه المريض لأنه مريض، ويدان فيه المتألم لأنه لا يعرف كيف يشرح ألمه.
في سنوات مضت، رأيت بشرا يسقطون بصمت لأن أصواتهم الداخلية كانت أعلى من قدرة العالم على الإصغاء. رأيت من ظن أن الوحدة عدوه الوحيد، فإذا بها تتحول إلى أمنية يائسة حين يكتشف أن البديل عنها هو صوت يسكن رأسه، يأمره، يوبخه، يهدده، ويقوده إلى حافة الهاوية.
كان أحدهم يقول لي ذات ليلة:
"كنت أشعر بوحدة قاتلة، ولكن عندما بدأت أسمع هذه الأصوات داخل رأسي، بدؤوا باتهامي بالجنون. ابتعدوا عني. رجعت إلى وحدتي مرة أخرى، ولكني محبوس داخل رأسي مع وحش أخشى على حياتي منه… يأمرني بأشياء لا أستطيع فعلها. ليتني لم أتمن أن أتخلص من وحدتي تلك."
في تلك اللحظة أدركت أن الخوف الحقيقي ليس مما يراه الإنسان، بل مما يسكنه.
وأن العقل مهما بدا قويا قد يتحول بين يوم وليلة إلى قفص يضيق على صاحبه حتى يختنق.
هناك أشخاص يعيشون طوال حياتهم في معركة لا ترى، معركة ضد أصوات لا يسمعها أحد سواهم. أصوات لا ترحم، لا تتوقف، لا تترك لهم جسدهم ولا نومهم ولا رغبتهم في العيش.
وهم، رغم كل ذلك، يطالبون بأن يتصرفوا "طبيعيين"، وأن يكتموا صمتا لا يقدر أي منا على حمله لساعة واحدة.
أحدهم حكى لي مرة وأنا أستمع إليه كمن يستمع لاعتراف من عالم آخر:
"أتذكر جيدا أول مرة سمعت فيها صوتا ما. التفت لأجيب، ولكني لم أجد شيئا. ظننت في بادئ الأمر أني أخطأت، ولكن استمرت الأصوات في التزايد… والغريب أني الوحيد الذي يسمعها. أحيانا تبكي بحرقة، وأحيانا تضحك بجنون، وأوقات أخرى تصرخ طالبة النجدة. وأنا أصرخ معها… أبكي معها؛ فأنا حقا لا أستطيع أن أطردها من عقلي. فكرت كثيرا في الانتحار… ولكني أخشى الموت حقا."
من يسمع اعترافا كهذا لا يعود كما كان، يفهم أن المرض النفسي ليس ضعفا، بل جرح داخلي ينزف دون دم.
وأن الإنسان قد يقتل نفسه لا لأنه يكره الحياة، بل لأنه لم يعد يحتمل الصوت الذي يطالبه بالموت.
لهذا كتبت هذه الرواية، كتبتها لأن الألم الذي لا نراه هو الأكثر فتكا، ولأنني أعرف يقينا أن كثيرين يعيشون بيننا يبتسمون نهارا ويصارعون أشباحهم ليلا.
ولأنني أعلم أيضا أن المريض بالوسواس القهري، والمصاب بالذهان، وضحية الهلاوس ليس مجنونا كما يصفه الناس، بل هو إنسان سمع ما لا ينبغي أن يسمعه أحد، ورأى ما لا يجب أن يرى، وحارب في داخله أكثر مما حاربنا نحن في الخارج.
كتبت لأقول للقارئ:
إذا كان في دائرتك القريبة شخص يعاني من الوسواس أو الهلاوس، فاستمع… ثم استمع… ثم استمع.
فما يقوله ليس خيالا، بل أمر تمليه عليه الأصوات التي تستوطن عقله. أصوات قد تدفعه إلى إيذاء نفسه أو من يحب إن ترك وحده.
وكتبت لأقول للعالم:
إن الصمت أخطر من الألم، وإن الوحدة قد تتحول إلى لعنة، وإن العقل حين يهزم… يسقط معه كل شيء.
هذه الرواية ليست لتقرأ فقط، هذه الرواية لتشعر، ولتفهم، ولتتذكر أننا جميعا نمشي فوق خيط رفيع بين العقل والهاوية.
وأن من سقط… لم يسقط لأنه أراد ذلك، بل لأن صوته الداخلي كان أعلى من أن يقاوم.
المزيد...