رواية القردة

رواية القردة

تأليف : عبد الحميد وشفون

التصنيف: روايات ، روايات الخيال العلمي

الناشر : كتوباتي

قراءة الكتاب تحميل

هل تنصح بهذا الكتاب؟

تخيل أن تستيقظ ذات صباح لتجد نفسك قد خرجت من جسدك، لم تعد ترى وجهك في المرايا، ولم يعد لصوتك صدى. تتجول كأنك ظل بلا جسد، شبحا لا يلمس شيئا، لا يتفاعل مع العالم من حوله، ولا يتذكر إلا شذرات ضبابية من ماض بعيد. هذا هو المصير الغريب الذي وجد فيه "تاكفا" نفسه في مستهل رواية القردة، عمل روائي يأخذنا في رحلة غير مألوفة، تتقاطع فيها العوالم، وتتصادم الحقائق مع الخيال. تاكفا لا يعرف كيف مات، أو حتى إن كان قد مات بالفعل. المدينة التي يسير بين أزقتها لم تعد مألوفة، والناس يمرون بجانبه دون أن يلتفتوا، وكأن لا وجود له. إنه عالق في عالم رمادي، بين الحياة والموت، باحثا عن ذاته وسط الخراب. تبدأ ملامح رحلته في التشكل حين يصل إلى ساحة مهجورة في أحد أحياء المدينة. هناك، يلتقي بمجموعة من الأطفال اليتامى، يعيشون بلا أهل ولا مأوى، يتقاسمون الألم اليومي ويقاومون قسوة الحياة بشيء من البراءة والدهاء. يقودهم فتى حاد الذكاء يدعى هشام، يبدو أنه قد اعتاد على المسؤولية مبكرا، يحمل نظرات تفوق سنه وعبارات تنضح بالفطنة والحكمة. ورغم كون تاكفا شبحا لا يراه أحد، إلا أن رابطا غريبا بدأ يتشكل بينه وبين هؤلاء الأطفال. كان هشام، بخاصة، يشعر به، يلتفت نحوه أحيانا وكأنه يسمع همسه الخافت. شيئا فشيئا، يجد تاكفا نفسه جزءا من عالمهم، يتتبعهم في مغامراتهم الصغيرة، يشهد أحاديثهم وقلقهم وضحكاتهم القليلة، ويتعرف على الحياة من جديد، ولكن من زوايا مظلمة لم يعرفها من قبل. هؤلاء الأطفال، رغم فقرهم ووحدتهم، كانوا يملكون شيئا نادرا: الأمل. كانوا يصنعون لأنفسهم عالما خاصا، يتسللون في أرجاء المدينة لجمع ما يسد رمقهم، يتجنبون رجال الشرطة والبلطجية، ويختبئون في أماكن مهجورة حفظوها جيدا. ومن خلالهم، تبدأ ذاكرة تاكفا بالتداعي: وجوه مبهمة، صوت امرأة تناديه، يده تكتب شيئا على ورقة، صراخ، ثم ظلام دامس. وفي خضم تلك الأيام، يكتشف تاكفا وأصدقاؤه الجدد أمرا مرعبا: هناك شيء مظلم يحدث في الخفاء. رجال مسنون يختفون دون أثر. شائعات عن تجارب طبية تجرى في الخفاء. مؤسسات اجتماعية تستقبل اليتامى وتخفيهم. شيئا شريرا يتحرك في قلب المدينة، والسلطات تلتزم الصمت، وكأن الجميع متواطئ. وفي إحدى جولات الأطفال، يعثرون على قفص حديدي مهجور في أحد الأقبية، بداخله قرد صغير، شاحب، عيناه تشعان بحزن عميق. لم يكن قردا عاديا، بل بدا وكأنه يدرك أكثر مما ينبغي، كأنه مر بمآس أكثر مما تحتملها كائنات الغابة. يحرره الأطفال، ويصبح رفيقا لهم، يشاركهم لحظات اللعب والهروب والدهشة. أما تاكفا، فقد شعر برابطة غريبة تربطه بالقرد، كما لو أن مصيريهما كانا متشابكين. تبدأ خيوط المؤامرة بالتكشف تدريجيا، ومعها تسترجع ذاكرة تاكفا مشاهد كانت مخبأة في عقله المظلم. يتذكر أنه كان صحفيا استقصائيا، يعمل على تحقيق يخص شبكات إجرامية تستغل الفئات الضعيفة من المجتمع، ومنهم الأطفال والمسنون. تذكر لقائه بشخصية نافذة في المدينة، وتهديده المباشر بالتوقف عن البحث. ثم تذكر مطاردته، و... سقوطه. هل كانت وفاته مجرد حادث؟ أم تم التخلص منه؟ وما علاقة كل هذا بالأطفال الذين وجدهم؟ هل كان وصوله إليهم محض صدفة، أم أن هناك خيطا خفيا قاده إليهم من البداية؟ يندفع تاكفا، رغم حالته غير الإنسانية، إلى محاولة كشف الحقيقة، مستخدما ما بقي له من وعي وقدرة على الملاحظة. يتعاون مع الأطفال في جمع الأدلة، يوجههم دون أن يشعروا، يرشدهم إلى الأماكن الخاطئة والصحيحة، وكلما اقترب أكثر من الحقيقة، بدا له أن استعادته لذاكرته ليست سوى خطوة أولى في استعادة هويته بالكامل. الرواية لا تدور فقط في إطار الإثارة والغموض، بل تتعمق في مواضيع اجتماعية حساسة: استغلال السلطة، مصير الأيتام، فقدان العدالة، وحدة الإنسان في وجه النظام. الأطفال في الرواية ليسوا مجرد شخصيات ثانوية، بل هم أبطال حقيقيون، يمثلون البراءة المتبقية في عالم ينهشه الطمع، ويسيره الخوف. أما القرد، فهو رمز للحرية المسلوبة، للكائن الذي سجن لأنه كان مختلفا، ثم أصبح شاهدا على الظلم، فقرر – بصمته – أن يقاوم بطريقته. وبرفقة هذا القرد، يخوض تاكفا والأطفال معركة غير متكافئة ضد قوى متجذرة في عمق المدينة، قوى تعرف كيف تخفي الحقيقة، وتجمل القبح، وتقتل دون أن تسأل. في ختام الرواية، يتعين على تاكفا أن يتخذ القرار الأصعب: هل سيكتفي بكشف الحقيقة، أم سيتعين عليه التضحية من أجل أن تصل للناس؟ وهل سيبقى شبحا إلى الأبد، أم أن رحلته بين الأطفال والقرد، واستعادته لذاته، ستمنحه فرصة ثانية؟ رواية القردة ليست مجرد حكاية عن الأشباح والأيتام، بل مرآة قاتمة لحقيقة اجتماعية قد تكون أقرب إلينا مما نظن. بأسلوب سردي مكثف، وحبكة تتصاعد بتوتر مدروس، يقدم عبد الحميد وشفون عملا إنسانيا من الطراز الأول، يترك في القارئ أثرا لا يمحى.
تخيل أن تستيقظ ذات صباح لتجد نفسك قد خرجت من جسدك، لم تعد ترى وجهك في المرايا، ولم يعد لصوتك صدى. تتجول كأنك ظل بلا جسد، شبحا لا يلمس شيئا، لا يتفاعل مع العالم من حوله، ولا يتذكر إلا شذرات ضبابية من ماض بعيد. هذا هو المصير الغريب الذي وجد فيه "تاكفا" نفسه في مستهل رواية القردة، عمل روائي يأخذنا في رحلة غير مألوفة، تتقاطع فيها العوالم، وتتصادم الحقائق مع الخيال. تاكفا لا يعرف كيف مات، أو حتى إن كان قد مات بالفعل. المدينة التي يسير بين أزقتها لم تعد مألوفة، والناس يمرون بجانبه دون أن يلتفتوا، وكأن لا وجود له. إنه عالق في عالم رمادي، بين الحياة والموت، باحثا عن ذاته وسط الخراب. تبدأ ملامح رحلته في التشكل حين يصل إلى ساحة مهجورة في أحد أحياء المدينة. هناك، يلتقي بمجموعة من الأطفال اليتامى، يعيشون بلا أهل ولا مأوى، يتقاسمون الألم اليومي ويقاومون قسوة الحياة بشيء من البراءة والدهاء. يقودهم فتى حاد الذكاء يدعى هشام، يبدو أنه قد اعتاد على المسؤولية مبكرا، يحمل نظرات تفوق سنه وعبارات تنضح بالفطنة والحكمة. ورغم كون تاكفا شبحا لا يراه أحد، إلا أن رابطا غريبا بدأ يتشكل بينه وبين هؤلاء الأطفال. كان هشام، بخاصة، يشعر به، يلتفت نحوه أحيانا وكأنه يسمع همسه الخافت. شيئا فشيئا، يجد تاكفا نفسه جزءا من عالمهم، يتتبعهم في مغامراتهم الصغيرة، يشهد أحاديثهم وقلقهم وضحكاتهم القليلة، ويتعرف على الحياة من جديد، ولكن من زوايا مظلمة لم يعرفها من قبل. هؤلاء الأطفال، رغم فقرهم ووحدتهم، كانوا يملكون شيئا نادرا: الأمل. كانوا يصنعون لأنفسهم عالما خاصا، يتسللون في أرجاء المدينة لجمع ما يسد رمقهم، يتجنبون رجال الشرطة والبلطجية، ويختبئون في أماكن مهجورة حفظوها جيدا. ومن خلالهم، تبدأ ذاكرة تاكفا بالتداعي: وجوه مبهمة، صوت امرأة تناديه، يده تكتب شيئا على ورقة، صراخ، ثم ظلام دامس. وفي خضم تلك الأيام، يكتشف تاكفا وأصدقاؤه الجدد أمرا مرعبا: هناك شيء مظلم يحدث في الخفاء. رجال مسنون يختفون دون أثر. شائعات عن تجارب طبية تجرى في الخفاء. مؤسسات اجتماعية تستقبل اليتامى وتخفيهم. شيئا شريرا يتحرك في قلب المدينة، والسلطات تلتزم الصمت، وكأن الجميع متواطئ. وفي إحدى جولات الأطفال، يعثرون على قفص حديدي مهجور في أحد الأقبية، بداخله قرد صغير، شاحب، عيناه تشعان بحزن عميق. لم يكن قردا عاديا، بل بدا وكأنه يدرك أكثر مما ينبغي، كأنه مر بمآس أكثر مما تحتملها كائنات الغابة. يحرره الأطفال، ويصبح رفيقا لهم، يشاركهم لحظات اللعب والهروب والدهشة. أما تاكفا، فقد شعر برابطة غريبة تربطه بالقرد، كما لو أن مصيريهما كانا متشابكين. تبدأ خيوط المؤامرة بالتكشف تدريجيا، ومعها تسترجع ذاكرة تاكفا مشاهد كانت مخبأة في عقله المظلم. يتذكر أنه كان صحفيا استقصائيا، يعمل على تحقيق يخص شبكات إجرامية تستغل الفئات الضعيفة من المجتمع، ومنهم الأطفال والمسنون. تذكر لقائه بشخصية نافذة في المدينة، وتهديده المباشر بالتوقف عن البحث. ثم تذكر مطاردته، و... سقوطه. هل كانت وفاته مجرد حادث؟ أم تم التخلص منه؟ وما علاقة كل هذا بالأطفال الذين وجدهم؟ هل كان وصوله إليهم محض صدفة، أم أن هناك خيطا خفيا قاده إليهم من البداية؟ يندفع تاكفا، رغم حالته غير الإنسانية، إلى محاولة كشف الحقيقة، مستخدما ما بقي له من وعي وقدرة على الملاحظة. يتعاون مع الأطفال في جمع الأدلة، يوجههم دون أن يشعروا، يرشدهم إلى الأماكن الخاطئة والصحيحة، وكلما اقترب أكثر من الحقيقة، بدا له أن استعادته لذاكرته ليست سوى خطوة أولى في استعادة هويته بالكامل. الرواية لا تدور فقط في إطار الإثارة والغموض، بل تتعمق في مواضيع اجتماعية حساسة: استغلال السلطة، مصير الأيتام، فقدان العدالة، وحدة الإنسان في وجه النظام. الأطفال في الرواية ليسوا مجرد شخصيات ثانوية، بل هم أبطال حقيقيون، يمثلون البراءة المتبقية في عالم ينهشه الطمع، ويسيره الخوف. أما القرد، فهو رمز للحرية المسلوبة، للكائن الذي سجن لأنه كان مختلفا، ثم أصبح شاهدا على الظلم، فقرر – بصمته – أن يقاوم بطريقته. وبرفقة هذا القرد، يخوض تاكفا والأطفال معركة غير متكافئة ضد قوى متجذرة في عمق المدينة، قوى تعرف كيف تخفي الحقيقة، وتجمل القبح، وتقتل دون أن تسأل. في ختام الرواية، يتعين على تاكفا أن يتخذ القرار الأصعب: هل سيكتفي بكشف الحقيقة، أم سيتعين عليه التضحية من أجل أن تصل للناس؟ وهل سيبقى شبحا إلى الأبد، أم أن رحلته بين الأطفال والقرد، واستعادته لذاته، ستمنحه فرصة ثانية؟ رواية القردة ليست مجرد حكاية عن الأشباح والأيتام، بل مرآة قاتمة لحقيقة اجتماعية قد تكون أقرب إلينا مما نظن. بأسلوب سردي مكثف، وحبكة تتصاعد بتوتر مدروس، يقدم عبد الحميد وشفون عملا إنسانيا من الطراز الأول، يترك في القارئ أثرا لا يمحى.

عبد الحميد وشفون

8 كتاب 31 متابع
كاتب جزائري صدر لي:
اذكرني عند ربك
الديدان
القردة
العناكب
الغربان
الغربان الجزء الثاني
الغربان الجزء الثالث
سحر الكتابة
//
لا تنسى نصيبك من القرآن يا صديقي...