رواية نزيف أسري

رواية نزيف أسري

تأليف : عبد الباقي يوسف

النوعية : روايات

الناشر : دار اسكرايب للنشر والتوزيع

قراءة الكتاب تحميل

هل تنصح بهذا الكتاب؟

تتناول رواية نزيف أسري واقع الأسرة العربية والمسلمة في ظل قانون الأسرة، رواية مشوقة منذ صفحتها الأولى حيث تتوالى الأحداث فيها. تقدم لنا الرواية مقارنات ما بين تماسك الأسرة قبل هذا القانون، وتفتتها عقب هذا القانون فقد كانت نسبة الطلاق منخفضة جدا بل وتكاد نكون معدومة، وكانت الأسرة متماسة، ونادرا ما كنا نرى أسرة مفككة، أما العنف الأسري وفي أعلى مستوياته التي تصل إلى حد جريمة قتل المرأة على يدي زوجها أو غيره، فكان ذلك معدوما، أو نادرا جدا كحالة استثنائية، في حين أن جرائم قتل النساء تفشت بشكل كبير جدا بعد إقرار هذا القانون، إلى جانب النسب المرتفعة جدا في الطلاق، وتفتيت الأسر وتشريد الأبناء. تسلط الرواية الضوء على هذه الظاهرة من خلال بطل الرواية (إدريس) الذي يتعرف في المهجع الذي ينزل فيه في السجن على مجموعة من المساجين الذي سجنوا بسبب قتل زوجاتهم، أو غيرهن. نتعرف على هؤلاء المساجين عندما يروون التفاصيل التي أدت بهم إلى ارتكاب تلك الجرائم على خلفية هذا القانون. وكما أن هذا القانون في الظاهر يحمي المرأة، وفي الواقع يفتك بها، فكذلك نرى الذين يؤججونها على زوجها وتفكيك أسرتها، وهم يدعون بأنهم يؤازرونها ويتعاطفون معها فيودون بها إلى تلك النهاية المأساوية. ولذلك نرى في الرواية بأن انتقام الأزواج لا يقتصر على الزوجة فحسب، بل أحيانا يطال أبويها، وأخوتها، وبعض أقاربها، أو المحامين، أو العاملين في قانون الأسرة، هؤلاء الذين يؤججونها ويشجعونها على التمرد على زوجها مستقوية بقانون الأسرة، فهي محاولات استدراجية كي تظهر المرأة مدى عدوانيتها، وبالتالي تودي بنفسها وبأسرتها إلى ذاك المصير القاتم. وأحيانا نرى بأن الزوجة تعكس الأمر فتحرض أحد أخوتها على زوجها، فتقع جرائم القتل كما الأمر بالنسب لبطل الرواية إدريس الذي يسجن عشرين سنة بسبب قتل زوج أخته (نجوى) وبعد ذلك يكتشف بأن أخته كانت قد استدرجته إلى قتل زوجها كي تتزوج من رجل آخر، وامتنعت حتى عن زيارته في السجن طوال تلك السنوات، بل حتى عند خروجه من السجن رفضت أن تستقبله حين أراد زيارتها في البيت. الرواية مليئة بالأحداث، كما أنها مليئة بالشخصيات، وهي تبين لنا بأن المرأة في واقع الأمر هي ضحية وقد وقعت في هذا الفخ الكبير الذي اسمه قانون الأسرة الذي يستنزف المرأة والأسرة معا. يقول أحد شخصيات الرواية: (تفاقمت جرائم قتل النساء بشكل مروع، وأصيبت البيوت الزوجية بنزيف داخلي، وتشتتت العائلات، تشرد الأطفال، شاع الانحراف، وأعداد النساء اللواتي قتلن خلال عشر سنوات سابقة في بلادنا، تجاوز أعداد النساء اللواتي قتلن خلال مئتي سنة سابقة بسبب خلافات زوجية، أو جرائم الشرف في العالم كله، تحول هذا القانون إلى وأد حقيقي للنساء في بلادنا، لكن بشكله المعاصر من خلال قانون الأسرة. قبل هذا القانون ما كنا نسمع بقتل امرأة إلا نادرا، ذات يوم سألت جدي الذي بلغ الخامسة والتسعين من عمره عن قتل النساء، والطلاق، فقال بأنه خلال ذاك العمر الذي عاشه، لم يسمع سوى بقتل امرأتين فقط، واحدة بسبب الخيانة الزوجية، والثانية لأنها تزوجت رغما عن أهلها بالخطيفة، وكذلك سمع عن حالتي طلاق فقط). يقول ضابط في شرطة العنف الأسري لأحد الأزواج: (لا توجد سلطة على وجه الأرض تمنعك من الدخول إلى بيتك، لكنك إذا دخلت البيت، وافتعلت زوجتك شجارا معك، ثم اتصلت بنا، سنضطر أن نأتي. هذا هو الواقع، لا نستطيع أن نفعل شيئا، لأن اختصاصنا يكمن فقط في الاستجابة لأي اتصال أو شكوى نتلقاها من امرأة بحق رجل، مهما كان منصب هذا الرجل، وسبق لنا أن أوقفنا أزواجا وهم يشغلون مناصب مهمة عندما تقدمت زوجاتهم بالشكوى عليهم، مثل: رئيس نقابة المحامين، وضابط شرطة برتبة عقيد، وعضو في البرلمان، ووزير سابق، وأستاذ جامعي، والقائمة تطول.. عندما لا تريد الزوجة أن يدخل زوجها إلى البيت، فلا أحد يستطيع أن يمنعها، لأنها ستوكل محاميا وسيجد لها المبررات القانونية التي يتوقف الزوج بموجبها، وأسهل تلك المبررات، أنه يهددها بالقتل. فيخرج بكفالة، ولم يعد قادرا أن يمنعها، أو يعترض طريقها أينما ذهبت، وحيثما توجهت، لأن شرطة العنف الأسري تكون له بالمرصاد بمجرد اتصال المرأة بها من هاتفها الخلوي، وهي ترجح كفة المرأة على كفته. برأيي الشخصي، اذهب إلى فندق، أو استأجر لك بيتا). وفي موضع آخر يقول هذا الضابط لطاهر: (عندما تنطوي المرأة على شر وخاصة في ظل قانون العنف الأسري، تتحول إلى كائن هائج، لا أحد يقدر أن يكبح جماحها. لم تكن تلك المرأة تسيء للأب في نظر الابن فقط، بل كانت تسيء للابن أيضا في نظر الأب، لأنها كانت تجعله متطفلا على أبيه، ويعيش في ازدواجية، فمن ناحية كانت تدفعه كي يقطع صلته بأبيه ويرفض أن يراه، بل وكانت تحظر عليه أن ينطق على لسانه كلمة أبي، ومن جهة أخرى عندما كان الأب يتأخر في دفع مصروف ابنه، كانت تأخذه إلى القضاء فيقول كما أوصته أمه: أنا ابن فلان، وأبي لم يرسل لي نفقتي الشهر الفائت، هو أبي، وأنا بحاجة إليه كي ينفق علي. ويقدم للقاضي الوثائق الرسمية التي تثبت بأنه ابن فلان. فيقول له القاضي: لا بأس، عد إلى بيتك، وسوف تتصل الشرطة بأبيك حتى ينفق عليك بناء على طلبك. ومبلغ النفقة كان محدودا، لأنه يقاس بموجب راتب الأب، ولو أن هذا الفتى ذهب إلى أبيه بشكل طبيعي رغم أنه يعيش مع أمه، لأنفق عليه ضعف ذاك المبلغ، بل كلما كان يحتاج إلى مبلغ في أي وقت، كان سيطلب منه. لقد حرمت تلك المرأة ذاك الابن من كل تلك المزايا التي كان سيتمتع بها، وكذلك وضعته في موقف محرج مع أبيه، وأرغمت عليه أن يبدو متطفلا كي ترضي نزعتها العدوانية وتنتقم بحقد أعمى من الأب بشكل مباشر، وكذلك من الابن بشكل غير مباشر وتحرمهما من حميمية وجمالية العلاقة بين الأب وابنه، وتقطع صلة الرحم بينهما مستقوية بشرطة العنف الأسري، النفقة في المحاكم هي محاولة لإفساد العلاقة الطبيعية بين الأب وأبنائه، لأنها قد تسرب إلى الابن شعورا بأن أباه ينفق عليه مرغما وبالقوة، وليس بدافع أبوته، وبالتالي قد تكون في بعض الظروف بمثابة تحريض للابن كي يتطاول على أبيه في حال تعرض الأب لظرف مالي طارئ، أو صعب، ومن المفترض هنا في العلاقة الطبيعية أن يترك الابن كل ما بيديه ويقف إلى جانب والده في محنته حتى لو اضطر أن يقسم وقته بين الدراسة وإيجاد عمل ريثما يمضي ذاك الظرف). وتذكر الرواية بالخطر الكبير الذي ينجم عن قطع صلة الرحم في المجتمع وذلك على لسان أحد الأشخاص الذي يقول لضابط في قانون الأسرة: (أساس أمننا الأسري قائم على صلة الرحم وبر الوالدين، ومؤازرتكم للنساء في استئصال صلة الرحم، وتحريض الأبناء على عقوق الآباء يجعلكم شركاء لهن في زحزحة هذا الأمن الأسري. أما عن حيثيات هذا القانون، فيرد ذلك على لسان أحد الشخصيات: (هذا القانون الوضعي جاء ضمن منظومة متكاملة مع بعضها بعضا بعد دراسات مستفيضة، كي يتم تطبيقه ضمن منظومته، لكننا اجتزأناه من منظومته المتكاملة، وأقحمناه على منظومة غريبة عنه ومتنافرة منه، كأنك تضع لشخص دما من زمرة مختلفة عن زمرته الدموية، عندها بدل أن يتعافى الجسد، فإنه يصاب بالتسمم وتتفاقم عليه التداعيات حتى تقتله، فلا يمكن أن تنسجم الزمرتان في جسد واحد بأي حال من الأحوال، ولكننا نصر بعناد شديد على انسجام الجسد مع الزمرتين المتناقضتين رغما عنه. كل شيء في منظومة هذا القانون يختلف عن منظومتنا الاجتماعية، لأنه جاء نتيجة دراسة دقيقة وعميقة آخذة بعين الاعتبار كل المفرزات التي يمكن لها أن تنجم عنه عند تطبيقه، وبالتالي تم وضع حلول ملائمة لتلك المفرزات، إضافة إلى ذلك، فإنه منسجم مع طبيعة مجتمعهم، وطبيعة أنظمتهم، مثل: تداول السلطة، تأمين فرص العمل للعاطلين عن العمل، إعطاء رواتب للعاطلين عن العمل سواء أكانوا من تلك البلاد أو من اللاجئين فيها، الضمان الصحي، العادات والتقاليد الاجتماعية، الثقافة، محو الأمية.. والمرأة في ذاك المجتمع، لا تقبل لنفسها أن تحرض أولادها على أبيهم، أو تسيء إلى سمعته أمامهم كي تحقق بعض المآرب، والأب في حال ارتكابه جناية حقيقية بحق زوجته، فإنهم يؤمنوا له مسكنا عندما يخرجونه من مسكنه الزوجي، يؤمنوا له راتبا إن كان بلا راتب، أو بلا عمل، ويمكن له بسهولة أن يتزوج من غير معوقات، ويتواصل مع أولاده متى شاء. هذا القانون الوضعي جاء مفصلا لتلك البيئة، لكنه في بيئتنا القبلية والعشائرية وفي ظل الفاقة، وعدم وجود فرص عمل، والنسبة المرتفعة جدا في أميتي التعليم والثقافة، ونشر الفساد، واحتكار السلطات، وانتشار الفتن، والضغوطات الاجتماعية والمعيشية، يكون إقحاما على المجتمع).
تتناول رواية نزيف أسري واقع الأسرة العربية والمسلمة في ظل قانون الأسرة، رواية مشوقة منذ صفحتها الأولى حيث تتوالى الأحداث فيها. تقدم لنا الرواية مقارنات ما بين تماسك الأسرة قبل هذا القانون، وتفتتها عقب هذا القانون فقد كانت نسبة الطلاق منخفضة جدا بل وتكاد نكون معدومة، وكانت الأسرة متماسة، ونادرا ما كنا نرى أسرة مفككة، أما العنف الأسري وفي أعلى مستوياته التي تصل إلى حد جريمة قتل المرأة على يدي زوجها أو غيره، فكان ذلك معدوما، أو نادرا جدا كحالة استثنائية، في حين أن جرائم قتل النساء تفشت بشكل كبير جدا بعد إقرار هذا القانون، إلى جانب النسب المرتفعة جدا في الطلاق، وتفتيت الأسر وتشريد الأبناء. تسلط الرواية الضوء على هذه الظاهرة من خلال بطل الرواية (إدريس) الذي يتعرف في المهجع الذي ينزل فيه في السجن على مجموعة من المساجين الذي سجنوا بسبب قتل زوجاتهم، أو غيرهن. نتعرف على هؤلاء المساجين عندما يروون التفاصيل التي أدت بهم إلى ارتكاب تلك الجرائم على خلفية هذا القانون. وكما أن هذا القانون في الظاهر يحمي المرأة، وفي الواقع يفتك بها، فكذلك نرى الذين يؤججونها على زوجها وتفكيك أسرتها، وهم يدعون بأنهم يؤازرونها ويتعاطفون معها فيودون بها إلى تلك النهاية المأساوية. ولذلك نرى في الرواية بأن انتقام الأزواج لا يقتصر على الزوجة فحسب، بل أحيانا يطال أبويها، وأخوتها، وبعض أقاربها، أو المحامين، أو العاملين في قانون الأسرة، هؤلاء الذين يؤججونها ويشجعونها على التمرد على زوجها مستقوية بقانون الأسرة، فهي محاولات استدراجية كي تظهر المرأة مدى عدوانيتها، وبالتالي تودي بنفسها وبأسرتها إلى ذاك المصير القاتم. وأحيانا نرى بأن الزوجة تعكس الأمر فتحرض أحد أخوتها على زوجها، فتقع جرائم القتل كما الأمر بالنسب لبطل الرواية إدريس الذي يسجن عشرين سنة بسبب قتل زوج أخته (نجوى) وبعد ذلك يكتشف بأن أخته كانت قد استدرجته إلى قتل زوجها كي تتزوج من رجل آخر، وامتنعت حتى عن زيارته في السجن طوال تلك السنوات، بل حتى عند خروجه من السجن رفضت أن تستقبله حين أراد زيارتها في البيت. الرواية مليئة بالأحداث، كما أنها مليئة بالشخصيات، وهي تبين لنا بأن المرأة في واقع الأمر هي ضحية وقد وقعت في هذا الفخ الكبير الذي اسمه قانون الأسرة الذي يستنزف المرأة والأسرة معا. يقول أحد شخصيات الرواية: (تفاقمت جرائم قتل النساء بشكل مروع، وأصيبت البيوت الزوجية بنزيف داخلي، وتشتتت العائلات، تشرد الأطفال، شاع الانحراف، وأعداد النساء اللواتي قتلن خلال عشر سنوات سابقة في بلادنا، تجاوز أعداد النساء اللواتي قتلن خلال مئتي سنة سابقة بسبب خلافات زوجية، أو جرائم الشرف في العالم كله، تحول هذا القانون إلى وأد حقيقي للنساء في بلادنا، لكن بشكله المعاصر من خلال قانون الأسرة. قبل هذا القانون ما كنا نسمع بقتل امرأة إلا نادرا، ذات يوم سألت جدي الذي بلغ الخامسة والتسعين من عمره عن قتل النساء، والطلاق، فقال بأنه خلال ذاك العمر الذي عاشه، لم يسمع سوى بقتل امرأتين فقط، واحدة بسبب الخيانة الزوجية، والثانية لأنها تزوجت رغما عن أهلها بالخطيفة، وكذلك سمع عن حالتي طلاق فقط). يقول ضابط في شرطة العنف الأسري لأحد الأزواج: (لا توجد سلطة على وجه الأرض تمنعك من الدخول إلى بيتك، لكنك إذا دخلت البيت، وافتعلت زوجتك شجارا معك، ثم اتصلت بنا، سنضطر أن نأتي. هذا هو الواقع، لا نستطيع أن نفعل شيئا، لأن اختصاصنا يكمن فقط في الاستجابة لأي اتصال أو شكوى نتلقاها من امرأة بحق رجل، مهما كان منصب هذا الرجل، وسبق لنا أن أوقفنا أزواجا وهم يشغلون مناصب مهمة عندما تقدمت زوجاتهم بالشكوى عليهم، مثل: رئيس نقابة المحامين، وضابط شرطة برتبة عقيد، وعضو في البرلمان، ووزير سابق، وأستاذ جامعي، والقائمة تطول.. عندما لا تريد الزوجة أن يدخل زوجها إلى البيت، فلا أحد يستطيع أن يمنعها، لأنها ستوكل محاميا وسيجد لها المبررات القانونية التي يتوقف الزوج بموجبها، وأسهل تلك المبررات، أنه يهددها بالقتل. فيخرج بكفالة، ولم يعد قادرا أن يمنعها، أو يعترض طريقها أينما ذهبت، وحيثما توجهت، لأن شرطة العنف الأسري تكون له بالمرصاد بمجرد اتصال المرأة بها من هاتفها الخلوي، وهي ترجح كفة المرأة على كفته. برأيي الشخصي، اذهب إلى فندق، أو استأجر لك بيتا). وفي موضع آخر يقول هذا الضابط لطاهر: (عندما تنطوي المرأة على شر وخاصة في ظل قانون العنف الأسري، تتحول إلى كائن هائج، لا أحد يقدر أن يكبح جماحها. لم تكن تلك المرأة تسيء للأب في نظر الابن فقط، بل كانت تسيء للابن أيضا في نظر الأب، لأنها كانت تجعله متطفلا على أبيه، ويعيش في ازدواجية، فمن ناحية كانت تدفعه كي يقطع صلته بأبيه ويرفض أن يراه، بل وكانت تحظر عليه أن ينطق على لسانه كلمة أبي، ومن جهة أخرى عندما كان الأب يتأخر في دفع مصروف ابنه، كانت تأخذه إلى القضاء فيقول كما أوصته أمه: أنا ابن فلان، وأبي لم يرسل لي نفقتي الشهر الفائت، هو أبي، وأنا بحاجة إليه كي ينفق علي. ويقدم للقاضي الوثائق الرسمية التي تثبت بأنه ابن فلان. فيقول له القاضي: لا بأس، عد إلى بيتك، وسوف تتصل الشرطة بأبيك حتى ينفق عليك بناء على طلبك. ومبلغ النفقة كان محدودا، لأنه يقاس بموجب راتب الأب، ولو أن هذا الفتى ذهب إلى أبيه بشكل طبيعي رغم أنه يعيش مع أمه، لأنفق عليه ضعف ذاك المبلغ، بل كلما كان يحتاج إلى مبلغ في أي وقت، كان سيطلب منه. لقد حرمت تلك المرأة ذاك الابن من كل تلك المزايا التي كان سيتمتع بها، وكذلك وضعته في موقف محرج مع أبيه، وأرغمت عليه أن يبدو متطفلا كي ترضي نزعتها العدوانية وتنتقم بحقد أعمى من الأب بشكل مباشر، وكذلك من الابن بشكل غير مباشر وتحرمهما من حميمية وجمالية العلاقة بين الأب وابنه، وتقطع صلة الرحم بينهما مستقوية بشرطة العنف الأسري، النفقة في المحاكم هي محاولة لإفساد العلاقة الطبيعية بين الأب وأبنائه، لأنها قد تسرب إلى الابن شعورا بأن أباه ينفق عليه مرغما وبالقوة، وليس بدافع أبوته، وبالتالي قد تكون في بعض الظروف بمثابة تحريض للابن كي يتطاول على أبيه في حال تعرض الأب لظرف مالي طارئ، أو صعب، ومن المفترض هنا في العلاقة الطبيعية أن يترك الابن كل ما بيديه ويقف إلى جانب والده في محنته حتى لو اضطر أن يقسم وقته بين الدراسة وإيجاد عمل ريثما يمضي ذاك الظرف). وتذكر الرواية بالخطر الكبير الذي ينجم عن قطع صلة الرحم في المجتمع وذلك على لسان أحد الأشخاص الذي يقول لضابط في قانون الأسرة: (أساس أمننا الأسري قائم على صلة الرحم وبر الوالدين، ومؤازرتكم للنساء في استئصال صلة الرحم، وتحريض الأبناء على عقوق الآباء يجعلكم شركاء لهن في زحزحة هذا الأمن الأسري. أما عن حيثيات هذا القانون، فيرد ذلك على لسان أحد الشخصيات: (هذا القانون الوضعي جاء ضمن منظومة متكاملة مع بعضها بعضا بعد دراسات مستفيضة، كي يتم تطبيقه ضمن منظومته، لكننا اجتزأناه من منظومته المتكاملة، وأقحمناه على منظومة غريبة عنه ومتنافرة منه، كأنك تضع لشخص دما من زمرة مختلفة عن زمرته الدموية، عندها بدل أن يتعافى الجسد، فإنه يصاب بالتسمم وتتفاقم عليه التداعيات حتى تقتله، فلا يمكن أن تنسجم الزمرتان في جسد واحد بأي حال من الأحوال، ولكننا نصر بعناد شديد على انسجام الجسد مع الزمرتين المتناقضتين رغما عنه. كل شيء في منظومة هذا القانون يختلف عن منظومتنا الاجتماعية، لأنه جاء نتيجة دراسة دقيقة وعميقة آخذة بعين الاعتبار كل المفرزات التي يمكن لها أن تنجم عنه عند تطبيقه، وبالتالي تم وضع حلول ملائمة لتلك المفرزات، إضافة إلى ذلك، فإنه منسجم مع طبيعة مجتمعهم، وطبيعة أنظمتهم، مثل: تداول السلطة، تأمين فرص العمل للعاطلين عن العمل، إعطاء رواتب للعاطلين عن العمل سواء أكانوا من تلك البلاد أو من اللاجئين فيها، الضمان الصحي، العادات والتقاليد الاجتماعية، الثقافة، محو الأمية.. والمرأة في ذاك المجتمع، لا تقبل لنفسها أن تحرض أولادها على أبيهم، أو تسيء إلى سمعته أمامهم كي تحقق بعض المآرب، والأب في حال ارتكابه جناية حقيقية بحق زوجته، فإنهم يؤمنوا له مسكنا عندما يخرجونه من مسكنه الزوجي، يؤمنوا له راتبا إن كان بلا راتب، أو بلا عمل، ويمكن له بسهولة أن يتزوج من غير معوقات، ويتواصل مع أولاده متى شاء. هذا القانون الوضعي جاء مفصلا لتلك البيئة، لكنه في بيئتنا القبلية والعشائرية وفي ظل الفاقة، وعدم وجود فرص عمل، والنسبة المرتفعة جدا في أميتي التعليم والثقافة، ونشر الفساد، واحتكار السلطات، وانتشار الفتن، والضغوطات الاجتماعية والمعيشية، يكون إقحاما على المجتمع).

عبد الباقي يوسف

4 كتاب 0 متابع

هل تنصح بهذا الكتاب؟