كتاب خرائط اليرموك في قلبي
قصائد في الحنين، الغربة، والذاكرة التي لا تموت
تأليف : حسن العاصي
النوعية : الشعر
مقدمة لا تشبه المقدمات
خرائط اليرموك في قلبي حين تصبح القصيدة بيتا، والحنين وطنا
ليست هذه القصائد محاولة للكتابة عن مخيم اليرموك، بل محاولة للكتابة منه. من داخله، من ذاكرته، من أزقته التي لا تزال تمشي في روحي، ومن وجوهه التي لم تغادرني، حتى حين غادرته. هذا الديوان ليس تأريخا، ولا شهادة، ولا وثيقة سياسية. إنه خريطة وجدانية، مرسومة بالحبر والدمع، تعيد بناء المكان كما يسكنني، لا كما تصفه الخرائط أو تقرره الجغرافيا.
كبرت في اليرموك، لا بوصفه مخيما، بل بوصفه وطنا مصغرا، مكتظا بالحياة، بالحكايات، بالأمل، وبالحنين الذي كان يقال في كل جملة، حتى حين نتحدث عن الطقس. هناك، كانت فلسطين تعلق على الجدران، وتغنى في الأعراس، وتبكى في صمت الجدات. هناك، كانت البيوت تغلق بالثقة، وكانت الحارات تعرف أسماءنا، وكانت النوافذ تطل على الحكايات، لا على الشوارع.
ثم غادرت. لا لأنني أردت، بل لأنني اضطررت. غادرت وفي حقيبتي صور لا تطبع، وأسماء لا تنسى، وغصة لا تشفى. غادرت وفي قلبي مدينة لا تغادرني، مهما ابتعدت، مهما اندمجت، مهما تعلمت لغات أخرى، ومهما تغيرت ملامحي. في المنفى، كل شيء مرتب، لكن لا أحد يعرفني حين أقول "أنا من اليرموك". لا أحد يعرف أنني حين أعد القهوة، أصالح بها ذاكرة متعبة، وأنني حين أغلق النافذة، أغلق على صوت كان يأتي من مئذنة في شارع فلسطين.
هذا الديوان كتب في لحظات لم أكن أبحث فيها عن اللغة، بل عن النجاة. كتب حين شعرت أنني أفقد ملامحي، وأنني أحتاج إلى أن أعيد رسم نفسي بالحروف. كل قصيدة فيه هي محاولة للعودة، لا بالجسد، بل بالنبض. محاولة لاستعادة ما لا يستعاد، ولتسمية ما لا يسمى، وللإمساك بما يتسرب من بين الأصابع كلما حاولنا أن نعرف الوطن.
لم أكتب هذا الديوان لأعرف نفسي، بل لأعيد ترتيب الغياب في صدري. كل قصيدة هنا كتبت من جهة القلب المكسور، ومن ظل أصيب بالدوار، ومن اسم نسي في جيب الغربة. لم أبحث عن القافية، بل عن أمي، وعن الجارة التي كانت تغني من نافذتها، وعن الطفل الذي ركض خلف العيد ولم يلحقه. هذا الديوان ليس نصوصا، بل ندوب تقال بصوت خافت، لمن يعرف كيف يصغي للحنين حين يتحول إلى طريقة في التنفس.
ما الذي يبقى حين يغيب المكان؟ هل يمكن للقصيدة أن تعيد بناء بيت لم يغلق بيدك؟ وهل يمكن للالتحام بين اللغة والذاكرة أن ينقذ ما تبقى من الوطن في القلب؟ هذا الديوان لا يجيب، بل يصغي. يصغي لصوت المطر في اليرموك، لصوت الجارة من خلف الستارة، لصوت الأم وهي تخيط الغياب بإبرة مرتجفة. هو محاولة لتسمية ما لا يسمى، ولإبقاء الأسماء حية في زمن يمحى فيه كل شيء.
خرائط اليرموك في قلبي هو ديوان لا يقرأ فقط، بل يسكن. هو بيت من كلمات، نوافذه مفتوحة على الذاكرة، وأبوابه تفضي إلى الحنين، وسقفه من قصائد لا تطلب منها أن تشفى، بل أن تضيء. هو ديوان عن الغياب، لكنه لا يكتب من فراغ. بل من امتلاء لا يحتمل، من حب لا ينسى، ومن وجع لا يراد له أن يزول.
كل نص في هذا الكتاب كتب من ظل أصيب بالدوار، ومن اسم نسي في جيب الغربة ولم ينطق كما يجب.
لا تبحث هنا عن إجابات، بل عن أثر يشبهك في لحظة لم تقل لأحد، وعن صوت يربت على حزنك كما كانت تفعل الجارة من خلف الستارة.
اقرأ هذا الكتاب كما تصغي لنداء من جهة الضوء، لا من جهة اللغة. اقرأه كما لو أنك تعيد بناء بيت لم تغلق بابه بيدك، لكنك ما زلت تحرسه في قلبك.
أيها القارئ، لا تدخل هذا الديوان كما تدخل مكتبة، بل كما تدخل بيتا غاب عنه أهله، وما زالت رائحة القهوة فيه تربي الحنين على الطاولة.
هذه القصائد لا تكتب، بل تنزف. كل سطر هو محاولة للنجاة، وكل نص هو نداء من جهة الضوء، لا من جهة اللغة. اقرأ هذا الديوان كما لو أنك تعيد بناء ذاكرة لم تغلق، ووطن لم يودع، وطفولة ما زالت تركض خلف العيد.
إلى كل من عاش في اليرموك، أو حمله في قلبه، أو مر به ذات حلم… هذه القصائد لكم، ولنا، وللمكان الذي لا يموت، حتى حين يهدم.
د. حسن العاصي
مقدمة لا تشبه المقدمات
خرائط اليرموك في قلبي حين تصبح القصيدة بيتا، والحنين وطنا
ليست هذه القصائد محاولة للكتابة عن مخيم اليرموك، بل محاولة للكتابة منه. من داخله، من ذاكرته، من أزقته التي لا تزال تمشي في روحي، ومن وجوهه التي لم تغادرني، حتى حين غادرته. هذا الديوان ليس تأريخا، ولا شهادة، ولا وثيقة سياسية. إنه خريطة وجدانية، مرسومة بالحبر والدمع، تعيد بناء المكان كما يسكنني، لا كما تصفه الخرائط أو تقرره الجغرافيا.
كبرت في اليرموك، لا بوصفه مخيما، بل بوصفه وطنا مصغرا، مكتظا بالحياة، بالحكايات، بالأمل، وبالحنين الذي كان يقال في كل جملة، حتى حين نتحدث عن الطقس. هناك، كانت فلسطين تعلق على الجدران، وتغنى في الأعراس، وتبكى في صمت الجدات. هناك، كانت البيوت تغلق بالثقة، وكانت الحارات تعرف أسماءنا، وكانت النوافذ تطل على الحكايات، لا على الشوارع.
ثم غادرت. لا لأنني أردت، بل لأنني اضطررت. غادرت وفي حقيبتي صور لا تطبع، وأسماء لا تنسى، وغصة لا تشفى. غادرت وفي قلبي مدينة لا تغادرني، مهما ابتعدت، مهما اندمجت، مهما تعلمت لغات أخرى، ومهما تغيرت ملامحي. في المنفى، كل شيء مرتب، لكن لا أحد يعرفني حين أقول "أنا من اليرموك". لا أحد يعرف أنني حين أعد القهوة، أصالح بها ذاكرة متعبة، وأنني حين أغلق النافذة، أغلق على صوت كان يأتي من مئذنة في شارع فلسطين.
هذا الديوان كتب في لحظات لم أكن أبحث فيها عن اللغة، بل عن النجاة. كتب حين شعرت أنني أفقد ملامحي، وأنني أحتاج إلى أن أعيد رسم نفسي بالحروف. كل قصيدة فيه هي محاولة للعودة، لا بالجسد، بل بالنبض. محاولة لاستعادة ما لا يستعاد، ولتسمية ما لا يسمى، وللإمساك بما يتسرب من بين الأصابع كلما حاولنا أن نعرف الوطن.
لم أكتب هذا الديوان لأعرف نفسي، بل لأعيد ترتيب الغياب في صدري. كل قصيدة هنا كتبت من جهة القلب المكسور، ومن ظل أصيب بالدوار، ومن اسم نسي في جيب الغربة. لم أبحث عن القافية، بل عن أمي، وعن الجارة التي كانت تغني من نافذتها، وعن الطفل الذي ركض خلف العيد ولم يلحقه. هذا الديوان ليس نصوصا، بل ندوب تقال بصوت خافت، لمن يعرف كيف يصغي للحنين حين يتحول إلى طريقة في التنفس.
ما الذي يبقى حين يغيب المكان؟ هل يمكن للقصيدة أن تعيد بناء بيت لم يغلق بيدك؟ وهل يمكن للالتحام بين اللغة والذاكرة أن ينقذ ما تبقى من الوطن في القلب؟ هذا الديوان لا يجيب، بل يصغي. يصغي لصوت المطر في اليرموك، لصوت الجارة من خلف الستارة، لصوت الأم وهي تخيط الغياب بإبرة مرتجفة. هو محاولة لتسمية ما لا يسمى، ولإبقاء الأسماء حية في زمن يمحى فيه كل شيء.
خرائط اليرموك في قلبي هو ديوان لا يقرأ فقط، بل يسكن. هو بيت من كلمات، نوافذه مفتوحة على الذاكرة، وأبوابه تفضي إلى الحنين، وسقفه من قصائد لا تطلب منها أن تشفى، بل أن تضيء. هو ديوان عن الغياب، لكنه لا يكتب من فراغ. بل من امتلاء لا يحتمل، من حب لا ينسى، ومن وجع لا يراد له أن يزول.
كل نص في هذا الكتاب كتب من ظل أصيب بالدوار، ومن اسم نسي في جيب الغربة ولم ينطق كما يجب.
لا تبحث هنا عن إجابات، بل عن أثر يشبهك في لحظة لم تقل لأحد، وعن صوت يربت على حزنك كما كانت تفعل الجارة من خلف الستارة.
اقرأ هذا الكتاب كما تصغي لنداء من جهة الضوء، لا من جهة اللغة. اقرأه كما لو أنك تعيد بناء بيت لم تغلق بابه بيدك، لكنك ما زلت تحرسه في قلبك.
أيها القارئ، لا تدخل هذا الديوان كما تدخل مكتبة، بل كما تدخل بيتا غاب عنه أهله، وما زالت رائحة القهوة فيه تربي الحنين على الطاولة.
هذه القصائد لا تكتب، بل تنزف. كل سطر هو محاولة للنجاة، وكل نص هو نداء من جهة الضوء، لا من جهة اللغة. اقرأ هذا الديوان كما لو أنك تعيد بناء ذاكرة لم تغلق، ووطن لم يودع، وطفولة ما زالت تركض خلف العيد.
إلى كل من عاش في اليرموك، أو حمله في قلبه، أو مر به ذات حلم… هذه القصائد لكم، ولنا، وللمكان الذي لا يموت، حتى حين يهدم.
د. حسن العاصي
المزيد...