رواية زمن العبيد

رواية زمن العبيد

الجزء الثاني

تأليف : محمد قصير

التصنيف: روايات ، روايات فلسفية

الناشر : مكتبة النور - الرباط

قراءة الكتاب

هل تنصح بهذا الكتاب؟

لا تبدأ العبودية حين تقيد الأيدي بالسلاسل، بل حين يتعلم الإنسان أن يخاف من حريته. فالسلسلة، في صورتها القديمة، كانت واضحة، باردة، معدنية، ترى في المعصم وتسمع في الطريق، يعرف العبد أنه عبد لأنه يرى قيده، ويعرف السيد أنه سيد لأنه يمسك بطرفه الآخر. أما في زمننا، فقد صار القيد أذكى، أرق، أعمق، وأكثر خفاء. لم يعد يلبس في اليد، بل في الوعي. لم يعد يجر الجسد فقط، بل يجر الرغبة، واللغة، والحلم، والخوف، والخبز، والذاكرة. صار الإنسان عبدا وهو يظن أنه يختار، مطيعا وهو يسمي طاعته عقلا، راكعا وهو يسمي ركوعه حكمة، صامتا وهو يعتقد أن صمته نجاة. يأتي هذا الجزء الثاني من زمن العبيد لا بوصفه استمرارا لحكاية رجل واحد، بل بوصفه امتدادا لجراح كثيرة تسكن وجوها مختلفة. فالسارد هنا ليس فردا معزولا عن واقعه، بل مرآة مكسورة لطبقة كاملة من البشر الذين ولدوا في الهامش، وتعلموا منذ الطفولة أن الحياة ليست حقا، بل معركة يومية من أجل أقل ما يسمى حياة. إنه ابن الحومة، وابن الفقر، وابن السجن، وابن الأم التي ماتت وهي تنتظر، وابن الوطن الذي يطالب أبناءه بالولاء بينما يتركهم عراة أمام الجوع والخذلان. في هذا الجزء، لا تعود العبودية مفهوما تاريخيا بعيدا، ولا صورة قديمة لعبد وسيد، بل تتحول إلى بنية خفية تحكم تفاصيل الحياة اليومية. العبد الحديث قد يحمل هاتفا ذكيا، ويملك حسابا في مواقع التواصل، ويضحك في المقاهي، ويناقش السياسة، ويحلم بالهجرة، لكنه في عمقه مسلوب الإرادة. يظن أنه حر لأنه يستطيع الكلام، لكنه يعرف أن كلمة واحدة قد تكلفه مستقبله. يظن أنه حر لأنه يستطيع الرحيل، لكنه لا يملك ثمن الطريق. يظن أنه حر لأنه يكره الظلم، لكنه قد يدفع، من شدة قهره، إلى ظلم آخر أشد سوادا. هذه الرواية تسائل ذلك الموضع الغامض الذي يتحول فيه المقهور إلى أداة، والضحية إلى متهم، والجائع إلى مشروع جريمة، والحالم بالنجاة إلى شاهد على خراب أكبر منه. إنها لا تبرئ الإنسان من مسؤوليته، لكنها ترفض أيضا أن تنظر إليه خارج شروطه القاسية. فالإنسان لا يسقط وحده دائما؛ أحيانا تدفعه المدينة، وتدفعه الدولة، ويدفعه الفقر، ويدفعه موت الأم، ويدفعه السجن، ويدفعه المجتمع الذي يرفضه، ثم حين يسقط، يقف الجميع فوقه ليقولوا: لقد اختار السقوط. غير أن الرواية، رغم قتامة عالمها، لا تحتفي بالخراب، ولا تقدس اليأس، ولا تبحث عن بطولة زائفة في العنف. بل تحاول أن تضع القارئ أمام السؤال الأكثر قسوة: ماذا يبقى من الإنسان حين تسلب منه كل الطرق النظيفة؟ هل يظل مسؤولا عن اختياره حين لا يترك له إلا الاختيار بين جوع ودم، بين سجن وسجن، بين سيد يرتدي بدلة وسيد يرتدي جلبابا، بين دولة تقمعه وجماعة تريد استعمال غضبه؟ وهل يستطيع الإنسان أن يقول "لا" في اللحظة التي لا يملك فيها ثمن خبزة؟ إن فلسفة هذا الجزء تقوم على تفكيك الوهم الأخطر في المجتمعات المقهورة: وهم أن العبودية تأتي دائما من الخارج. فالسيد لا ينتصر بقوته وحدها، بل بخوف العبيد، وبحاجتهم، وبصمتهم، وباستعدادهم للدفاع عن القيود حين يطول ألفهم لها. وهكذا يصير الفقر مدرسة للطاعة، والسجن مصنعا للانكسار، والدين حين يشوه أداة للتجنيد، والوطن حين يفسد قفصا كبيرا يطلب من المسجونين فيه أن يغنوا للنشيد. في زمن العبيد لا يوجد شر واحد، ولا جلاد واحد، ولا خلاص بسيط. هناك منظومة كاملة تتقاسم جسد الإنسان وروحه: دولة تريد مواطنا خائفا، ومجتمع يريد فردا مطيعا، وفقر يريد كائنا قابلا للبيع، وجماعات تريد حقدا جاهزا للاستعمال، وذاكرة أم ميتة تظل تسأل ابنها: هل بقي فيك ما يستحق الحياة؟ إنها رواية عن الذين لا يجدون مكانا لهم في لغة السلطة ولا في لغة الوعظ. عن أولئك الذين يعرفون أن الظلم حقيقي، لكنهم يرفضون أن يعالجوه بظلم آخر. عن الإنسان حين يقف بين نارين: نار الدولة التي لا ترحم، ونار التطرف الذي لا يفكر. عن ذلك الكائن الصغير الذي لا يملك شيئا، ومع ذلك يحاول في لحظة حاسمة أن ينقذ ما تبقى من ضميره. وهنا تكمن المأساة العميقة: أن تقول لا، ثم لا يكافئك العالم على قولها. أن تختار ألا تكون قاتلا، فيعاملك القانون كقاتل. أن تمنع الدم، فيكتب اسمك بين الملطخة أيديهم به. أن ترفض العبودية كلها، فيقتلك كل سيد لأنه لم يستطع امتلاكك. هذا الجزء الثاني ليس رواية عن النجاة، بل عن ثمن النجاة حين لا تكتمل. ليس عن الحرية كما تكتب في الشعارات، بل عن الحرية حين تكون وحيدة، جائعة، مطاردة، ومكلفة إلى درجة الموت. إنه نص عن الإنسان حين يكتشف أن العالم لا ينقسم إلى خير وشر كما تعلم في الحكايات، بل إلى قوى كثيرة تتصارع فوق جسده، وكل واحدة منها تريد أن تقنعه أنها الطريق الوحيد. ولذلك، فإن القارئ لا يدخل هذه الرواية ليطمئن، بل ليتورط. لا ليحكم على السارد من بعيد، بل ليسأل نفسه: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانه؟ لو خرجت من السجن بلا أم، بلا بيت، بلا مال، بلا عائلة، ثم وجدت من يمد لك يده وفي يده خبز وهاوية؟ هل كنت ستعرف الطريق؟ هل كنت ستظل نقيا؟ هل كنت ستقول لا؟ ربما لا تقدم الرواية جوابا. لكنها تضع السؤال حيث ينبغي أن يكون: في صدر القارئ، لا في فم الراوي فقط. فهذه ليست حكاية عبد واحد. إنها حكاية زمن كامل. زمن يقتل الإنسان إذا أطاع، ويقتله إذا تمرد، ويتركه في الحالتين يردد، وهو يسير نحو نهايته: هكذا هو زمن العبيد. محمد قصير ٢٩/٠٤/٢٠٢٦
لا تبدأ العبودية حين تقيد الأيدي بالسلاسل، بل حين يتعلم الإنسان أن يخاف من حريته. فالسلسلة، في صورتها القديمة، كانت واضحة، باردة، معدنية، ترى في المعصم وتسمع في الطريق، يعرف العبد أنه عبد لأنه يرى قيده، ويعرف السيد أنه سيد لأنه يمسك بطرفه الآخر. أما في زمننا، فقد صار القيد أذكى، أرق، أعمق، وأكثر خفاء. لم يعد يلبس في اليد، بل في الوعي. لم يعد يجر الجسد فقط، بل يجر الرغبة، واللغة، والحلم، والخوف، والخبز، والذاكرة. صار الإنسان عبدا وهو يظن أنه يختار، مطيعا وهو يسمي طاعته عقلا، راكعا وهو يسمي ركوعه حكمة، صامتا وهو يعتقد أن صمته نجاة. يأتي هذا الجزء الثاني من زمن العبيد لا بوصفه استمرارا لحكاية رجل واحد، بل بوصفه امتدادا لجراح كثيرة تسكن وجوها مختلفة. فالسارد هنا ليس فردا معزولا عن واقعه، بل مرآة مكسورة لطبقة كاملة من البشر الذين ولدوا في الهامش، وتعلموا منذ الطفولة أن الحياة ليست حقا، بل معركة يومية من أجل أقل ما يسمى حياة. إنه ابن الحومة، وابن الفقر، وابن السجن، وابن الأم التي ماتت وهي تنتظر، وابن الوطن الذي يطالب أبناءه بالولاء بينما يتركهم عراة أمام الجوع والخذلان. في هذا الجزء، لا تعود العبودية مفهوما تاريخيا بعيدا، ولا صورة قديمة لعبد وسيد، بل تتحول إلى بنية خفية تحكم تفاصيل الحياة اليومية. العبد الحديث قد يحمل هاتفا ذكيا، ويملك حسابا في مواقع التواصل، ويضحك في المقاهي، ويناقش السياسة، ويحلم بالهجرة، لكنه في عمقه مسلوب الإرادة. يظن أنه حر لأنه يستطيع الكلام، لكنه يعرف أن كلمة واحدة قد تكلفه مستقبله. يظن أنه حر لأنه يستطيع الرحيل، لكنه لا يملك ثمن الطريق. يظن أنه حر لأنه يكره الظلم، لكنه قد يدفع، من شدة قهره، إلى ظلم آخر أشد سوادا. هذه الرواية تسائل ذلك الموضع الغامض الذي يتحول فيه المقهور إلى أداة، والضحية إلى متهم، والجائع إلى مشروع جريمة، والحالم بالنجاة إلى شاهد على خراب أكبر منه. إنها لا تبرئ الإنسان من مسؤوليته، لكنها ترفض أيضا أن تنظر إليه خارج شروطه القاسية. فالإنسان لا يسقط وحده دائما؛ أحيانا تدفعه المدينة، وتدفعه الدولة، ويدفعه الفقر، ويدفعه موت الأم، ويدفعه السجن، ويدفعه المجتمع الذي يرفضه، ثم حين يسقط، يقف الجميع فوقه ليقولوا: لقد اختار السقوط. غير أن الرواية، رغم قتامة عالمها، لا تحتفي بالخراب، ولا تقدس اليأس، ولا تبحث عن بطولة زائفة في العنف. بل تحاول أن تضع القارئ أمام السؤال الأكثر قسوة: ماذا يبقى من الإنسان حين تسلب منه كل الطرق النظيفة؟ هل يظل مسؤولا عن اختياره حين لا يترك له إلا الاختيار بين جوع ودم، بين سجن وسجن، بين سيد يرتدي بدلة وسيد يرتدي جلبابا، بين دولة تقمعه وجماعة تريد استعمال غضبه؟ وهل يستطيع الإنسان أن يقول "لا" في اللحظة التي لا يملك فيها ثمن خبزة؟ إن فلسفة هذا الجزء تقوم على تفكيك الوهم الأخطر في المجتمعات المقهورة: وهم أن العبودية تأتي دائما من الخارج. فالسيد لا ينتصر بقوته وحدها، بل بخوف العبيد، وبحاجتهم، وبصمتهم، وباستعدادهم للدفاع عن القيود حين يطول ألفهم لها. وهكذا يصير الفقر مدرسة للطاعة، والسجن مصنعا للانكسار، والدين حين يشوه أداة للتجنيد، والوطن حين يفسد قفصا كبيرا يطلب من المسجونين فيه أن يغنوا للنشيد. في زمن العبيد لا يوجد شر واحد، ولا جلاد واحد، ولا خلاص بسيط. هناك منظومة كاملة تتقاسم جسد الإنسان وروحه: دولة تريد مواطنا خائفا، ومجتمع يريد فردا مطيعا، وفقر يريد كائنا قابلا للبيع، وجماعات تريد حقدا جاهزا للاستعمال، وذاكرة أم ميتة تظل تسأل ابنها: هل بقي فيك ما يستحق الحياة؟ إنها رواية عن الذين لا يجدون مكانا لهم في لغة السلطة ولا في لغة الوعظ. عن أولئك الذين يعرفون أن الظلم حقيقي، لكنهم يرفضون أن يعالجوه بظلم آخر. عن الإنسان حين يقف بين نارين: نار الدولة التي لا ترحم، ونار التطرف الذي لا يفكر. عن ذلك الكائن الصغير الذي لا يملك شيئا، ومع ذلك يحاول في لحظة حاسمة أن ينقذ ما تبقى من ضميره. وهنا تكمن المأساة العميقة: أن تقول لا، ثم لا يكافئك العالم على قولها. أن تختار ألا تكون قاتلا، فيعاملك القانون كقاتل. أن تمنع الدم، فيكتب اسمك بين الملطخة أيديهم به. أن ترفض العبودية كلها، فيقتلك كل سيد لأنه لم يستطع امتلاكك. هذا الجزء الثاني ليس رواية عن النجاة، بل عن ثمن النجاة حين لا تكتمل. ليس عن الحرية كما تكتب في الشعارات، بل عن الحرية حين تكون وحيدة، جائعة، مطاردة، ومكلفة إلى درجة الموت. إنه نص عن الإنسان حين يكتشف أن العالم لا ينقسم إلى خير وشر كما تعلم في الحكايات، بل إلى قوى كثيرة تتصارع فوق جسده، وكل واحدة منها تريد أن تقنعه أنها الطريق الوحيد. ولذلك، فإن القارئ لا يدخل هذه الرواية ليطمئن، بل ليتورط. لا ليحكم على السارد من بعيد، بل ليسأل نفسه: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانه؟ لو خرجت من السجن بلا أم، بلا بيت، بلا مال، بلا عائلة، ثم وجدت من يمد لك يده وفي يده خبز وهاوية؟ هل كنت ستعرف الطريق؟ هل كنت ستظل نقيا؟ هل كنت ستقول لا؟ ربما لا تقدم الرواية جوابا. لكنها تضع السؤال حيث ينبغي أن يكون: في صدر القارئ، لا في فم الراوي فقط. فهذه ليست حكاية عبد واحد. إنها حكاية زمن كامل. زمن يقتل الإنسان إذا أطاع، ويقتله إذا تمرد، ويتركه في الحالتين يردد، وهو يسير نحو نهايته: هكذا هو زمن العبيد. محمد قصير ٢٩/٠٤/٢٠٢٦

محمد قصير

27 كتاب 18 متابع
أ. محمد قصير
• بكالوريوس مهنية تخصص تربية.
• دبلوم الكفاءة المهنية في علم النفس السريري تخصص علاج نفسي سلوكي معرفي.
• دبلوم تكويني في علم النفس العصبي والتحليل النفسي السريري.
• دبلوم مهني متخصص في العلاج الديناميكي والتحليل النفسي.
• دبلوم في علم النفس الشخصية والعلاج بالنطق.
أستاذ التعليم ال...
أ. محمد قصير
• بكالوريوس مهنية تخصص تربية.
• دبلوم الكفاءة المهنية في علم النفس السريري تخصص علاج نفسي سلوكي معرفي.
• دبلوم تكويني في علم النفس العصبي والتحليل النفسي السريري.
• دبلوم مهني متخصص في العلاج الديناميكي والتحليل النفسي.
• دبلوم في علم النفس الشخصية والعلاج بالنطق.
أستاذ التعليم العالي محاضر في التربية والعلوم الإنسانية بالمغرب.
أستاذ التعليم العالي زائر في علم النفس الإكلينيكي بالمغرب.
باحث، مفكر وخبير دولي متخصص في التربية، العلوم الإنسانية وعلم النفس التحليلي.
ناقد أدبي واجتماعي وكاتب روائي، عضو فريق البحث في الفلسفة والفكر وعلم النفس بالرابطة الحسنية للمفكرين والأدباء بالمملكة المغربية، كما يشغل عضويات علمية دولية ووطنية، منها:
• الجمعية الأمريكية للفلسفة (APA).
• الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA).
• الاتحاد الدولي لعلم النفس.
• اتحاد الكتاب العرب.
• المجلس الثقافي البريطاني.
مُؤلف لعدة روايات أشهرها رواية كابغراس، والشجاعة المنكسرة، ومؤلفات تربوية وفكرية، حيث تجمع أعماله بين البعد النفسي، الاجتماعي والفلسفي، ويسعى من خلالها إلى تجديد الفكر والممارسة التعليمية، الثقافية والتربوية.