كتاب بعيدا عن الزبد

كتاب بعيدا عن الزبد

قراءة في المشهد الثقافي

تأليف : الدكتور كريم الوائلي

التصنيف: الفلسفة والفكر ، دراسات وبحوث

الناشر : مركز البحوث والدراسات جامعة الكوت

قراءة الكتاب تحميل

هل تنصح بهذا الكتاب؟

يكتنف هذا الكتاب قلق معرفي طويل، وشعور بأن ما نعيشه في ثقافتنا ليس مجرد أزمة عارضة، بل هو حالة بنيوية، تبدو ملامحها من الالتباس وانكسار المعنى، إن « بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي » لا يعني محاولة في توجيه النقد بمفهومه العام، وليس مجرد جهد في توصيف الظاهرة الثقافية، كما تبدو على السطح، ولكنه محاولة للتعبير عما هو بعيد عن السطح، أي في البنى الخفية التي تنتج الخطاب، وتعيد انتاج ما سبق انتاجه، وكأنها تمنح الزيف قدرا من الشرعية، وتضفى على الرداءة نوعا من الاستمرار. وليس خطرا أن تصاب ثقافتنا بالضجيج المتعالي، بل الخطر هو الاعتياد عليه، كما أنه ليس خطرا أن يطفو الخطأ على السطح، وإنما الخطر أن يتحول الخطأ الى بدهية، ويدافع المثقفون عن الزائف العارض وتجنب الأصيل الرصين، من هنا جاء مفهوم « الزبد » بوصفه استعارة مركزية، لا تحيل إلى الظواهر السطحية وحدها، بل إلى ذلك الفائض الخطابي الذي يملأ الفضاء العام، ويخفي تحته فراغ المعنى، ويعطل فعل التفكير، ويستبدل النقد بالترديد، والعقل بالاصطفاف، والمعرفة بالانفعال، في مقابل هذا الزبد، يسعى الكتاب إلى تتبع ما يمكث في الأرض، أي ما يتصل بالبنى العميقة للفكر، وبالشروط التي تنتج الوعي، وبالعلاقات المعقدة بين الثقافة والسلطة، وبين التربية والأيديولوجيا، وبين النص والواقع. لا يتفاعل الكتاب مع الثقافة بوصفها ترفا ذهنيا أو نشاطا نخبويا معزولا، بل يقرأها بوصفها قوة فاعلة في تشكيل الإنسان، وفي إنتاج السلوك الفردي والجماعي، في تسويغ العنف أو مقاومته، وفي فتح أفق الحرية أو إغلاقه، لذلك تتقاطع مضامينه مع حقول متعددة، من النقد الثقافي، إلى فلسفة التربية، إلى تحليل الخطاب، إلى قراءة الذاكرة، دون أن يقع في فخ التخصص الضيق، ولا الادعاء الموسوعي، إن وحدة الكتاب لا تأتي من تجانس الموضوعات، بل من وحدة الرؤية، ومن سؤال مركزي يتكرر بصيغ مختلفة: كيف تصنع العقول؟ ومن يملك حق تعريف الحقيقة؟ وكيف تتحول الأفكار إلى أدوات هيمنة أو تحرر؟. ينطلق هذا الكتاب من افتراض مركزي مفاده إن الثقافة، في لحظات الانحطاط، لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء، عبر تراكم الخطابات الفارغة، وتضخم الشعارات، وتحول اللغة من أداة كشف إلى أداة تمويه، الزبد هنا ليس ضجيج الإعلام، ولا صخب المنصات، ولا وفرة الآراء، بل هو نمط تفكير كامل، يقوم على الاستسهال، وعلى استبدال السؤال بالإجابة الجاهزة، والنقد بالانفعال، والمعرفة بالاصطفاف، وهو نمط يجد بيئته الحاضنة في مؤسسات التعليم، وفي الخطاب الديني المؤدلج، وفي الثقافة السياسية التي تقدم الطاعة بوصفها فضيلة، والامتثال بوصفه وعيا. من هنا، لا يقف هذا الكتاب عند حدود التحليل الثقافي بمعناه الضيق، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة العلاقة بين الثقافة والسلطة، وبين التربية وإنتاج الوعي، وبين التاريخ وإعادة كتابته، وبين الذاكرة الفردية والسردية الجمعية، فالثقافة، ليست حقلا محايدا، بل ساحة صراع، تدار فيها المعاني، وتعاد فيها صياغة القيم، ويحدد ما يعد مقبولا، وما يقصى بوصفه شذوذا أو خطرا، وهذا التصور يلتقي مع ما ذهب إليه أنطونيو غرامشي في حديثه عن الهيمنة الثقافية،( ) إذ لا تمارس السلطة بالقوة وحدها، بل عبر بناء القبول، وتطبيع الأفكار، وتحويل الرؤية المسيطرة إلى « حس مشترك » يبدو طبيعيا وبدهيا. وفي السياق العربي والعراقي على وجه الخصوص، تتخذ هذه الهيمنة أشكالا أكثر تعقيدا، بسبب تداخل الديني بالسياسي، والتربوي بالأيديولوجي، والتاريخي بالأسطوري، لذلك يسعى هذا الكتاب إلى تفكيك هذه التشابكات، لا من موقع العداء للتراث، ولا من موقع التماهي معه، بل من موقع القراءة النقدية التي تميز بين ما هو حي وقابل للتجدد، وما تحول إلى عبء رمزي يستعمل لتبرير القمع، أو لتكريس العجز عن التفكير خارج القوالب الجاهزة. ولا يخفي الكتاب انحيازه الواضح إلى العقل النقدي، لا بوصفه شعارا حداثيا، بل بوصفه شرطا أخلاقيا للمعرفة، فالنقد هنا ليس ترفا، ولا ممارسة نخبوية، بل ضرورة وجودية في مجتمعات تعرضت لتدمير طويل في بنيتها التعليمية، وفي منظومتها القيمية، وفي علاقتها بالحقيقة. ويمتد هذا الوعي النقدي في الكتاب ليشمل سؤال التربية بوصفه السؤال المؤسس لكل تحول ثقافي، فالمدرسة، كما تقرأ في هذا المشروع، ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي جهاز ثقافي خطر، قادر على إعادة إنتاج الخضوع، كما هو قادر على تفجير إمكانات السؤال، إن تحليل المناهج، والخطابات التعليمية، وتجارب التأليف المدرسي، يكشف أن المعركة على الوعي تبدأ مبكرا، وأن التطرف، في أحد وجوهه العميقة، هو نتاج تعليم مغلق، قائم على التلقين، وإقصاء الاختلاف، وتحويل النص إلى سلطة نهائية، إن التعليم الذي لا يحرر العقل يعيد إنتاج القهر بأشكال جديدة. ولا ينفصل هذا التحليل التربوي عن قراءة ظاهرة العنف والتطرف بوصفهما نتيجة ثقافية قبل أن تكون أمنية، فالإرهاب، كما يقدمه الكتاب، ليس انفجارا فجائيا، بل حصيلة مسار طويل من التشويه المعرفي، يبدأ من النص، ويمر عبر المنهج، ويتغذى من خطاب ديني وسياسي يختزل العالم في ثنائيات قاتلة، في هذا السياق، يعاد التفكير في مفهوم المسؤولية الثقافية، وفي دور المثقف، وفي حدود الصمت بوصفه شكلا من أشكال التواطؤ. ومن جهة أخرى، يمنح الكتاب مساحة واسعة للذاكرة بوصفها أداة للفهم، لا بوصفها مادة سردية محضة، فالاستدعاء الشخصي للتجارب، وللحظات القمع، ولتفاصيل الحياة المدرسية والسياسية، لا يأتي من باب الاعتراف الذاتي، بل من الوعي بأن التاريخ الرسمي غالبا ما يكتب من أعلى، وأن التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف آليات السلطة في أكثر صورها فجاجة، الذاكرة، هنا تتحول إلى نص ثقافي، وإلى شهادة على كيفية تشكل الخوف، وكيف يزرع في النفوس منذ الطفولة، إذ تصبح الذاكرة مجالا للصراع على المعنى، لا مجرد استعادة للماضي. إن هذا الكتاب لا يبحث عن إجابات جاهزة، ولا يقدم وصفات إصلاحية سريعة، بل يصر على إزعاج القارئ، ودفعه إلى إعادة النظر في المسلمات، وفي اللغة التي يتداولها، وفي الأفكار التي يظنها بدهية، وهو في ذلك لا ينحاز إلى موقع أيديولوجي مغلق، بل إلى العقل بوصفه قيمة، وإلى النقد بوصفه ضرورة، وإلى الإنسان بوصفه غاية، لذلك لا يعد هذا الكتاب القارئ بالطمأنينة، بل بالأسئلة، ولا باليقين، بل بالقلق المنتج، ولا بالزبد، بل بمحاولة شاقة للوصول إلى ما يبقى بعد أن يهدأ الضجيج. لا يقدم هذا الكتاب حكما نهائيا على الثقافة، بل بوصفه تمرينا شاقا على مساءلتها، وعلى كشف آلياتها، وعلى إعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها فعل مقاومة، مقاومة للسطحية، وللتزييف، وللزبد الذي يطفو حين يغيب العمق، وهو كتاب كتب للقارئ الذي لا يبحث عن الطمأنينة، بل عن المعنى، ولا عن الإجابات الجاهزة، بل عن الأسئلة التي تفتح أفقا جديدا للفهم. بهذا المعنى، يمكن قراءة « بعيدا عن الزبد » بوصفه شهادة فكرية على مرحلة، ومحاولة لفهمها، وتفكيك خطابها، وكشف أوهامها، دون ادعاء امتلاك الحقيقة، ولا التبرؤ من المسؤولية، إنه كتاب كتب ليقرأ ببطء، وليجادل، وليختلف معه، لأنه لا يرى في الثقافة مجالا للإجماع، بل فضاء دائما للاختلاف الخلاق، ذلك الاختلاف الذي القادر وحده على أن ينقذ المعنى من الغرق في الزبد.
يكتنف هذا الكتاب قلق معرفي طويل، وشعور بأن ما نعيشه في ثقافتنا ليس مجرد أزمة عارضة، بل هو حالة بنيوية، تبدو ملامحها من الالتباس وانكسار المعنى، إن « بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي » لا يعني محاولة في توجيه النقد بمفهومه العام، وليس مجرد جهد في توصيف الظاهرة الثقافية، كما تبدو على السطح، ولكنه محاولة للتعبير عما هو بعيد عن السطح، أي في البنى الخفية التي تنتج الخطاب، وتعيد انتاج ما سبق انتاجه، وكأنها تمنح الزيف قدرا من الشرعية، وتضفى على الرداءة نوعا من الاستمرار. وليس خطرا أن تصاب ثقافتنا بالضجيج المتعالي، بل الخطر هو الاعتياد عليه، كما أنه ليس خطرا أن يطفو الخطأ على السطح، وإنما الخطر أن يتحول الخطأ الى بدهية، ويدافع المثقفون عن الزائف العارض وتجنب الأصيل الرصين، من هنا جاء مفهوم « الزبد » بوصفه استعارة مركزية، لا تحيل إلى الظواهر السطحية وحدها، بل إلى ذلك الفائض الخطابي الذي يملأ الفضاء العام، ويخفي تحته فراغ المعنى، ويعطل فعل التفكير، ويستبدل النقد بالترديد، والعقل بالاصطفاف، والمعرفة بالانفعال، في مقابل هذا الزبد، يسعى الكتاب إلى تتبع ما يمكث في الأرض، أي ما يتصل بالبنى العميقة للفكر، وبالشروط التي تنتج الوعي، وبالعلاقات المعقدة بين الثقافة والسلطة، وبين التربية والأيديولوجيا، وبين النص والواقع. لا يتفاعل الكتاب مع الثقافة بوصفها ترفا ذهنيا أو نشاطا نخبويا معزولا، بل يقرأها بوصفها قوة فاعلة في تشكيل الإنسان، وفي إنتاج السلوك الفردي والجماعي، في تسويغ العنف أو مقاومته، وفي فتح أفق الحرية أو إغلاقه، لذلك تتقاطع مضامينه مع حقول متعددة، من النقد الثقافي، إلى فلسفة التربية، إلى تحليل الخطاب، إلى قراءة الذاكرة، دون أن يقع في فخ التخصص الضيق، ولا الادعاء الموسوعي، إن وحدة الكتاب لا تأتي من تجانس الموضوعات، بل من وحدة الرؤية، ومن سؤال مركزي يتكرر بصيغ مختلفة: كيف تصنع العقول؟ ومن يملك حق تعريف الحقيقة؟ وكيف تتحول الأفكار إلى أدوات هيمنة أو تحرر؟. ينطلق هذا الكتاب من افتراض مركزي مفاده إن الثقافة، في لحظات الانحطاط، لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء، عبر تراكم الخطابات الفارغة، وتضخم الشعارات، وتحول اللغة من أداة كشف إلى أداة تمويه، الزبد هنا ليس ضجيج الإعلام، ولا صخب المنصات، ولا وفرة الآراء، بل هو نمط تفكير كامل، يقوم على الاستسهال، وعلى استبدال السؤال بالإجابة الجاهزة، والنقد بالانفعال، والمعرفة بالاصطفاف، وهو نمط يجد بيئته الحاضنة في مؤسسات التعليم، وفي الخطاب الديني المؤدلج، وفي الثقافة السياسية التي تقدم الطاعة بوصفها فضيلة، والامتثال بوصفه وعيا. من هنا، لا يقف هذا الكتاب عند حدود التحليل الثقافي بمعناه الضيق، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة العلاقة بين الثقافة والسلطة، وبين التربية وإنتاج الوعي، وبين التاريخ وإعادة كتابته، وبين الذاكرة الفردية والسردية الجمعية، فالثقافة، ليست حقلا محايدا، بل ساحة صراع، تدار فيها المعاني، وتعاد فيها صياغة القيم، ويحدد ما يعد مقبولا، وما يقصى بوصفه شذوذا أو خطرا، وهذا التصور يلتقي مع ما ذهب إليه أنطونيو غرامشي في حديثه عن الهيمنة الثقافية،( ) إذ لا تمارس السلطة بالقوة وحدها، بل عبر بناء القبول، وتطبيع الأفكار، وتحويل الرؤية المسيطرة إلى « حس مشترك » يبدو طبيعيا وبدهيا. وفي السياق العربي والعراقي على وجه الخصوص، تتخذ هذه الهيمنة أشكالا أكثر تعقيدا، بسبب تداخل الديني بالسياسي، والتربوي بالأيديولوجي، والتاريخي بالأسطوري، لذلك يسعى هذا الكتاب إلى تفكيك هذه التشابكات، لا من موقع العداء للتراث، ولا من موقع التماهي معه، بل من موقع القراءة النقدية التي تميز بين ما هو حي وقابل للتجدد، وما تحول إلى عبء رمزي يستعمل لتبرير القمع، أو لتكريس العجز عن التفكير خارج القوالب الجاهزة. ولا يخفي الكتاب انحيازه الواضح إلى العقل النقدي، لا بوصفه شعارا حداثيا، بل بوصفه شرطا أخلاقيا للمعرفة، فالنقد هنا ليس ترفا، ولا ممارسة نخبوية، بل ضرورة وجودية في مجتمعات تعرضت لتدمير طويل في بنيتها التعليمية، وفي منظومتها القيمية، وفي علاقتها بالحقيقة. ويمتد هذا الوعي النقدي في الكتاب ليشمل سؤال التربية بوصفه السؤال المؤسس لكل تحول ثقافي، فالمدرسة، كما تقرأ في هذا المشروع، ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي جهاز ثقافي خطر، قادر على إعادة إنتاج الخضوع، كما هو قادر على تفجير إمكانات السؤال، إن تحليل المناهج، والخطابات التعليمية، وتجارب التأليف المدرسي، يكشف أن المعركة على الوعي تبدأ مبكرا، وأن التطرف، في أحد وجوهه العميقة، هو نتاج تعليم مغلق، قائم على التلقين، وإقصاء الاختلاف، وتحويل النص إلى سلطة نهائية، إن التعليم الذي لا يحرر العقل يعيد إنتاج القهر بأشكال جديدة. ولا ينفصل هذا التحليل التربوي عن قراءة ظاهرة العنف والتطرف بوصفهما نتيجة ثقافية قبل أن تكون أمنية، فالإرهاب، كما يقدمه الكتاب، ليس انفجارا فجائيا، بل حصيلة مسار طويل من التشويه المعرفي، يبدأ من النص، ويمر عبر المنهج، ويتغذى من خطاب ديني وسياسي يختزل العالم في ثنائيات قاتلة، في هذا السياق، يعاد التفكير في مفهوم المسؤولية الثقافية، وفي دور المثقف، وفي حدود الصمت بوصفه شكلا من أشكال التواطؤ. ومن جهة أخرى، يمنح الكتاب مساحة واسعة للذاكرة بوصفها أداة للفهم، لا بوصفها مادة سردية محضة، فالاستدعاء الشخصي للتجارب، وللحظات القمع، ولتفاصيل الحياة المدرسية والسياسية، لا يأتي من باب الاعتراف الذاتي، بل من الوعي بأن التاريخ الرسمي غالبا ما يكتب من أعلى، وأن التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف آليات السلطة في أكثر صورها فجاجة، الذاكرة، هنا تتحول إلى نص ثقافي، وإلى شهادة على كيفية تشكل الخوف، وكيف يزرع في النفوس منذ الطفولة، إذ تصبح الذاكرة مجالا للصراع على المعنى، لا مجرد استعادة للماضي. إن هذا الكتاب لا يبحث عن إجابات جاهزة، ولا يقدم وصفات إصلاحية سريعة، بل يصر على إزعاج القارئ، ودفعه إلى إعادة النظر في المسلمات، وفي اللغة التي يتداولها، وفي الأفكار التي يظنها بدهية، وهو في ذلك لا ينحاز إلى موقع أيديولوجي مغلق، بل إلى العقل بوصفه قيمة، وإلى النقد بوصفه ضرورة، وإلى الإنسان بوصفه غاية، لذلك لا يعد هذا الكتاب القارئ بالطمأنينة، بل بالأسئلة، ولا باليقين، بل بالقلق المنتج، ولا بالزبد، بل بمحاولة شاقة للوصول إلى ما يبقى بعد أن يهدأ الضجيج. لا يقدم هذا الكتاب حكما نهائيا على الثقافة، بل بوصفه تمرينا شاقا على مساءلتها، وعلى كشف آلياتها، وعلى إعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها فعل مقاومة، مقاومة للسطحية، وللتزييف، وللزبد الذي يطفو حين يغيب العمق، وهو كتاب كتب للقارئ الذي لا يبحث عن الطمأنينة، بل عن المعنى، ولا عن الإجابات الجاهزة، بل عن الأسئلة التي تفتح أفقا جديدا للفهم. بهذا المعنى، يمكن قراءة « بعيدا عن الزبد » بوصفه شهادة فكرية على مرحلة، ومحاولة لفهمها، وتفكيك خطابها، وكشف أوهامها، دون ادعاء امتلاك الحقيقة، ولا التبرؤ من المسؤولية، إنه كتاب كتب ليقرأ ببطء، وليجادل، وليختلف معه، لأنه لا يرى في الثقافة مجالا للإجماع، بل فضاء دائما للاختلاف الخلاق، ذلك الاختلاف الذي القادر وحده على أن ينقذ المعنى من الغرق في الزبد.

لا توجد تقييمات حاليا