كتاب جماليات المكان الآسفي في رواية أنا النقطة من تأليف سعيد البهالي .. اختارت د أسماء غريب أنساقا مكانية آسفية أغلبها ينتمي إلى عالم التاريخ والتراث والحضارة وكأنها من جهة تحاول إيقاظ وعينا وتنبيهنا إلى تجديد إحساسنا بالمكان التاريخي و الالتفات إليه والاهتمام بتراثنا الحضاري والتاريخي الذي يتآكل يوما بعد آخر ( قصر البحر البرتغالي ، خلوة الإمام الجزولي ، الكنيسة الاسبانية …) ، فأسفي ليست حيزا جغرافيا فقط بل هي تاريخ أيضا ، مدينة الله المفتوحة على العالم وحاضرة البحر المحيط التي ترقد الشمس عند أقدامها كل مساء ،ومن جهة ثانية تحاول إعادة إنتاج المكان التاريخي روائيا ـ لا تاريخيا ـ بما لا يتنافى مع معطيات التاريخ ، وهو ما يجعل قراءة الرواية “قراءة في السياق” وبالتالي ، وهذا أساسي جدا ، فالاشتغال بسؤال المكان الروائي ليس فقط ” انشغال أدبي جمالي ، بل أيضا انشغال ثقافي ونقدي ( نقصد نقد الوعي ) لأن المثقف العربي (الإنسان العربي) ما زال مطالبا بأن يعيش الفضاء كعلائق وأن يعيشه أيضا كجغرافيا ”، والحديث عن المكان التاريخي والحضاري الآسفي في الرواية لا يعني مطلقا وأبدا واقعية الأحداث الروائية ، فالرواية تخييل وليست تقرير، ولا يعني أيضا الإمساك الجاهز بمعنى واحد للمكان ، فذلك غير ممكن لكون الرواية ـ كعمل تخييلي ـ تعتمد على الانزياحات اللغوية ومثقلة بالرموز والإشارات وبالتالي تعدد المعنى والدلالة ، والرواية ـ ككل الكتابات العرفانية ـ ما إن تعطيك معنى حتى تتفلت منك معاني أخرى ، مما يستدعي القراءة المتأنية من جهة ، والحيطة والحذر في التأويل من جهة ثانية ، والتسلح بكل المعارف الممكنة ( عرفان ، تاريخ ، تراث …) لصياغة تأويل مقبول للمكان ، أي ممارسة ” افتراض المعنى ” ووجوب التحقق منه حسب تعبير تيزفيتان تودوروف ( 1939/2017) ، فكل قراءة للنص الأدبي ما هي في الحقيقة إلا محاولة أولية مهما بلغت من الدقة والإتقان في انتظار محاولات أخرى وفهم آخر ، فالرواية ليست معادلة رياضية من الدرجة الأولى لا تقبل إلا حلا / قراءة واحدة ، وحتى و إن كانت الأنساق المكانية التاريخية الأسفية في رواية ” أنا النقطة ” ناجزة /جاهزة فيزيقيا فإن دلالاتها مستمرة والقيم التي تحيل عليها لا نهائية ، فالقيم بدلالاتها الاجتماعية والأخلاقية والروحية ” تنطوي دوما على سمات مكانية “، ومن تم فإن واقعية الأمكنة الأسفية لا يتنافى مع جمالية التخييل الذي أضفت عليه اللغة السردية البليغة المستندة على العرفان بهاء وأناقة بتكثيفها للإيحاء والرمزية ، كما أن هذه الأمكنة التاريخية الواقعية بتشبعها بالرمزية تحولت إلى أنساق إشارية لها أكثر من دلالة ومعنى ، ومعلوم أن عزل المكان التاريخي والتراثي عن دلالاته هو بمثابة ” ممارسة العنف على النص “، فخلوة الإمام الجزولي رمز للنفس الإنسانية ، وقصر البحر رمز للميلاد والتحرير وتقلب الزمان ، وتل الفخارين رمز للخلق وجمال الصنعة والإبداع الإلهي ، والبحر رمز للمطلق و اللامتناهي … وكأننا أمام عملية كشف الظنون واستراق المعاني ، فالروائية تنتقي المكان كما تنتقي العبارات ، فهي مدركة لدلالات المكان وتشابهاته وتشابكاته بنفس درجة براعتها في صنع الانزياحات والاستعارات والمجازات ، وقديما قال أرسطو :” أن تكون بارعا في صنع الاستعارات يكافئ أن تكون متبصرا في إدراك المتشابهات “، وكل مكان يحمل في ثناياه دلالاته الرمزية قريبا أو بعيدا من دلالته في الواقع لإغراء وإغواء المتلقي وإثارة تفاعله مع النص الروائي ، خصوصا وأنها أمكنة ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقا ـ متنوعة الدلالة والايحاء ، فمنها أماكن ذات البعد الدلالي الإيحائي والرمزي( خلوة الإمام الجزولي ) ومنها ذات بعد العجائبي والغرائبي (عين لالة ميرة ) وذات البعد التاريخي (قصر البحر) وذات البعد التراثي والحضاري والاجتماعي ( تل الفخارين)… وهي كلها أماكن تتآلف وتتماسك وتتكامل داخل النسيج الروائي ، فخلوة الإمام الجزولي تكمل جغرافيا ودلاليا قصر البحر ، ومعمل النسيج يكمل تل الفخارين ، والكورنيش ووادي الشعبة يكملان البحر… مما أعطى للسرد والتخييل قوة وانسيابية ، كما أن العلاقة بين الشخصيات والمكان الآسفي هي علاقة ترابط وانسجام (البعد الايجابي والحميمي للمكان) وهو ما سهل على الروائية تفعيل أنساقها الفكرية والرمزية على اعتبار أن المكان يشكل دائما الأرض الخصبة لزراعة الأفكار واستنبات القيم وتوجيه الرؤى .
كتاب جماليات المكان الآسفي في رواية أنا النقطة من تأليف سعيد البهالي .. اختارت د أسماء غريب أنساقا مكانية آسفية أغلبها ينتمي إلى عالم التاريخ والتراث والحضارة وكأنها من جهة تحاول إيقاظ وعينا وتنبيهنا إلى تجديد إحساسنا بالمكان التاريخي و الالتفات إليه والاهتمام بتراثنا الحضاري والتاريخي الذي يتآكل يوما بعد آخر ( قصر البحر البرتغالي ، خلوة الإمام الجزولي ، الكنيسة الاسبانية …) ، فأسفي ليست حيزا جغرافيا فقط بل هي تاريخ أيضا ، مدينة الله المفتوحة على العالم وحاضرة البحر المحيط التي ترقد الشمس عند أقدامها كل مساء ،ومن جهة ثانية تحاول إعادة إنتاج المكان التاريخي روائيا ـ لا تاريخيا ـ بما لا يتنافى مع معطيات التاريخ ، وهو ما يجعل قراءة الرواية “قراءة في السياق” وبالتالي ، وهذا أساسي جدا ، فالاشتغال بسؤال المكان الروائي ليس فقط ” انشغال أدبي جمالي ، بل أيضا انشغال ثقافي ونقدي ( نقصد نقد الوعي ) لأن المثقف العربي (الإنسان العربي) ما زال مطالبا بأن يعيش الفضاء كعلائق وأن يعيشه أيضا كجغرافيا ”، والحديث عن المكان التاريخي والحضاري الآسفي في الرواية لا يعني مطلقا وأبدا واقعية الأحداث الروائية ، فالرواية تخييل وليست تقرير، ولا يعني أيضا الإمساك الجاهز بمعنى واحد للمكان ، فذلك غير ممكن لكون الرواية ـ كعمل تخييلي ـ تعتمد على الانزياحات اللغوية ومثقلة بالرموز والإشارات وبالتالي تعدد المعنى والدلالة ، والرواية ـ ككل الكتابات العرفانية ـ ما إن تعطيك معنى حتى تتفلت منك معاني أخرى ، مما يستدعي القراءة المتأنية من جهة ، والحيطة والحذر في التأويل من جهة ثانية ، والتسلح بكل المعارف الممكنة ( عرفان ، تاريخ ، تراث …) لصياغة تأويل مقبول للمكان ، أي ممارسة ” افتراض المعنى ” ووجوب التحقق منه حسب تعبير تيزفيتان تودوروف ( 1939/2017) ، فكل قراءة للنص الأدبي ما هي في الحقيقة إلا محاولة أولية مهما بلغت من الدقة والإتقان في انتظار محاولات أخرى وفهم آخر ، فالرواية ليست معادلة رياضية من الدرجة الأولى لا تقبل إلا حلا / قراءة واحدة ، وحتى و إن كانت الأنساق المكانية التاريخية الأسفية في رواية ” أنا النقطة ” ناجزة /جاهزة فيزيقيا فإن دلالاتها مستمرة والقيم التي تحيل عليها لا نهائية ، فالقيم بدلالاتها الاجتماعية والأخلاقية والروحية ” تنطوي دوما على سمات مكانية “، ومن تم فإن واقعية الأمكنة الأسفية لا يتنافى مع جمالية التخييل الذي أضفت عليه اللغة السردية البليغة المستندة على العرفان بهاء وأناقة بتكثيفها للإيحاء والرمزية ، كما أن هذه الأمكنة التاريخية الواقعية بتشبعها بالرمزية تحولت إلى أنساق إشارية لها أكثر من دلالة ومعنى ، ومعلوم أن عزل المكان التاريخي والتراثي عن دلالاته هو بمثابة ” ممارسة العنف على النص “، فخلوة الإمام الجزولي رمز للنفس الإنسانية ، وقصر البحر رمز للميلاد والتحرير وتقلب الزمان ، وتل الفخارين رمز للخلق وجمال الصنعة والإبداع الإلهي ، والبحر رمز للمطلق و اللامتناهي … وكأننا أمام عملية كشف الظنون واستراق المعاني ، فالروائية تنتقي المكان كما تنتقي العبارات ، فهي مدركة لدلالات المكان وتشابهاته وتشابكاته بنفس درجة براعتها في صنع الانزياحات والاستعارات والمجازات ، وقديما قال أرسطو :” أن تكون بارعا في صنع الاستعارات يكافئ أن تكون متبصرا في إدراك المتشابهات “، وكل مكان يحمل في ثناياه دلالاته الرمزية قريبا أو بعيدا من دلالته في الواقع لإغراء وإغواء المتلقي وإثارة تفاعله مع النص الروائي ، خصوصا وأنها أمكنة ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقا ـ متنوعة الدلالة والايحاء ، فمنها أماكن ذات البعد الدلالي الإيحائي والرمزي( خلوة الإمام الجزولي ) ومنها ذات بعد العجائبي والغرائبي (عين لالة ميرة ) وذات البعد التاريخي (قصر البحر) وذات البعد التراثي والحضاري والاجتماعي ( تل الفخارين)… وهي كلها أماكن تتآلف وتتماسك وتتكامل داخل النسيج الروائي ، فخلوة الإمام الجزولي تكمل جغرافيا ودلاليا قصر البحر ، ومعمل النسيج يكمل تل الفخارين ، والكورنيش ووادي الشعبة يكملان البحر… مما أعطى للسرد والتخييل قوة وانسيابية ، كما أن العلاقة بين الشخصيات والمكان الآسفي هي علاقة ترابط وانسجام (البعد الايجابي والحميمي للمكان) وهو ما سهل على الروائية تفعيل أنساقها الفكرية والرمزية على اعتبار أن المكان يشكل دائما الأرض الخصبة لزراعة الأفكار واستنبات القيم وتوجيه الرؤى .
المزيد...