كتاب صوت في الظلام

كتاب صوت في الظلام

صوت في الظلام

تأليف : سعيد بدر عاشق الرعب

النوعية : مجموعة قصص

قراءة الكتاب

هل تنصح بهذا الكتاب؟

رواية: "صوت في الظلام" بقلم الكاتب عاشق الرعب الفصل الأول: المهمة كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل عندما انقطع الاتصال اللاسلكي تماما. صمت مطبق حل في أرجاء قاعدة "الصاعقة" العسكرية، ذلك الصمت الذي يسبق العواصف. تلقى النقيب "يوسف" أوامره مباشرة من القيادة: قرية نائية تدعى "الغدير"، تقع في عمق الصحراء، يعتقد أن أحد عناصر المخابرات المختطفين يحتجز فيها. المهمة: اقتحام سريع، تحرير الهدف، والعودة قبل الفجر. لا دعم جوي، لا اتصال، السرية التامة. اختار يوسف أربعة من أمهر رجاله: الرقيب الأول "سيف"، المقاتل الخبير وهادئ الأعصاب؛ والعريف "عمر"، المقاتل الشاب الطموح؛ والجندي "مالك"، خبير المتفجرات والاتصالات؛ والجندي "رامي"، القناص الحاد البصر. استقلوا سيارتين عسكريتين مصفحتين وانطلقوا في قلب الظلام. بعد ثلاث ساعات من السير على طرق وعرة، ظهرت القرية أمامهم ككتلة سوداء من الظل، لا حياة فيها. لم تكن مجرد قرية مهجورة، بل كانت مقبرة للخرسانة. منازل متآكلة، نوافذها كعيون فارغة تحدق بهم. حتى رياح الصحراء توقفت، وكأن الكون يحبس أنفاسه. قال عمر بصوت متهدج وهو يمسك بندقيته بإحكام: "يا نقيب، المكان مقبرة. أكيد المعلومات غلط." همس يوسف: "لا تستهين بالأوامر. نتحرك بحذر. سيف معي، والباقي خلفنا بمسافة. الهدف في المبنى الرئيسي." دخلوا القرية. كانت خطواتهم على الحصى المدقوقة أعلى صوتا مما ينبغي. رائحة كريهة بدأت تعبق في الجو، خليط من العفن والمواد العضوية المتعفنة، ورائحة حلوة كريهة لم يتعرفوا عليها. وصلوا إلى المبنى الرئيسي، وكان عبارة عن منزل كبير قديم له ساحة داخلية. الباب الرئيسي كان مواربا. أشار يوسف لسيف بالتقدم. دفع سيف الباب بماسورة بندقيته فانفتح بصوت صرير مزعج. في وسط الساحة، على كرسي خشبي قديم، كان يجلس الرجل المختطف. كان شاحبا، مرتديا ملابس ممزقة، وعيناه مغمضتان. بدا وكأنه في غيبوبة. تقدم يوسف بحذر وهو ينادي: "العميد حازم؟ نحن الجيش، جئنا لإخراجك." فتح الرجل عينيه فجأة، وكانتا بياضا كاملا بلا قزحية. للحظة، تجمد يوسف من هول المنظر. ثم عادت عينا الرجل إلى طبيعتهما، نظراتهما زائغة وخائفة. صاح الرجل بصوت أجش: "اخرجوا! اخرجوا بسرعة! هذا فخ! هم لا يريدوني، هم يريدونكم أنتم! جئتم بهم العشاء!" في تلك اللحظة، انطفأت الكشافات الأمامية للسيارات العسكرية فجأة. ساد الظلام الدامس لثوان قبل أن تشتعل نيران خضراء شاحبة في أركان الساحة، وكأن الأرض تشتعل. قال مالك بصوت مرتعش: "يا نقيب، الاتصال مقطوع تماما. حتى أجهزة التردد العسكرية لا تعمل. لا إشارة، لا شيء." قال العميد حازم وهو يشير إلى جدران المبنى: "إنهم هنا... يحكون... يحكون بأصوات الموتى." نظر يوسف إلى الجدران. بدأت تظهر عليها ظلال متحركة لا تتوافق مع أي مصدر ضوء. ظلال لرجال ونساء وأطفال يتحركون وكأنهم في مشهد صامت، يعيدون لحظات رعبهم الأخيرة. ثم بدأوا يسمعونها: همسات، أنين، صرخات مكتومة تأتي من تحت الأرض، من الجدران، من كل مكان. صرخ عمر: "يا نقيب، المؤخرة! هناك شيء يتحرك في الزقاق!" خرجوا مسرعين إلى الزقاق الضيق. ما رأوه جمد الدماء في عروقهم. كائنات بشرية.. أو ما تبقى منها. كانت تزحف وتتحرك بشكل متقطع وغير طبيعي. بعضها ينظر إليهم بعيون بيضاء حليبية، وبعضها الآخر بلا عيون، وأفواهها مشقوقة في ابتسامات عريضة بشكل مرعب. كانت أجسادهم مشوهة، بعضهم يجر أطرافا مقلوعة، وبعضهم الآخر يمشي ورأسه مائل بزاوية مستحيلة. أحد هذه الكائنات كان يرتدي بقايا زي عسكري قديم. رفع يده المشوهة وأشار إليهم، ثم خرج من فمه صوت يشبه صوت الراديو المتعطل: "أهلا... بكم... في... الجحيم." أطلق عمر النار من رشاشه بشكل هستيري. اخترقت الرصاصات الكائنات، لكنها استمرت في التقدم. كان الدم الذي يسيل منها أسود كثيفا، وسرعان ما التئمت جروحها أمام أعينهم. صاح سيف: "الرصاص لا يجدي! انسحبوا! انسحبوا إلى المبنى!" تراجعوا إلى داخل المبنى وأغلقوا الباب الحديدي الرئيسي. بدأت الكائنات تضرب على الباب بقوة غاشمة، والصراخ والهمسات تتعالى من الخارج. قال مالك وهو يحاول الاتصال مجددا: "نحن محاصرون. لا مفر." نظر العميد حازم إليهم بعينين دامعتين: "لم يكن الهدف تحريري. كان الهدف جلبكم إلى هنا. هم يتغذون على الخوف، على الأمل، على صرخات الأحياء. كلما زاد عدد الذين يأتون لإنقاذي، زادت قوتهم. أنتم الآن طعامهم، وأنا الطعم." توقف صوت الضرب على الباب فجأة. حل صمت رهيب. نظر يوسف إلى رجاله، ثم إلى الباب. من خلال شق صغير في الخشب، رأى عينا واحدة ضخمة تحدق به من الخارج، عين بشرية ولكنها أكبر من الطبيعي، وفي سوادها كانت ترى آلاف الأرواح تتلوى وتصرخ. همس صوت عميق قادم من تحت أقدامهم، من باطن الأرض، يجعل عظامهم تهتز: "لقد أتيتم إلينا طواعية. الآن، لن تغادروا أبدا." الفصل الثاني: الوجوه في الجدران تصلب يوسف مكانه للحظة، ثم استدار ببطء نحو رجاله. كانت وجوههم شاحبة تحت أضواء الكشافات اليدوية، ولكن عيونهم ما زالت تشع إصرارا. جنود النخبة لا يستسلمون. قال يوسف بصوت منخفض ولكن حازم: "نهدأ جميعا. هل هناك مخرج آخر من هذا المبنى؟" نظر سيف حوله. كان المبنى قديما، ذا تصميم تقليدي: ساحة داخلية تحيط بها غرف متعددة، وسلالم حجرية تؤدي إلى الطابق العلوي. قال سيف: "ربما هناك منفذ خلفي، أو شباك في الجهة الشرقية." قال مالك وهو يفحص جهاز الاتصال المحمول: "يا نقيب، البطارية تفرغ بسرعة غير طبيعية. هذا غير مألوف. الأجهزة كانت مشحونة بالكامل. وكأن شيئا يمتص الطاقة من كل شيء." بينما كان مالك يتحدث، بدأت الأضواء تومض. الكشافات اليدوية أخذت تخفت وتضيء بشكل متقطع. في أحد ومضات الظلام، صرخ رامي: "يا الله! انظروا!" نظروا جميعا إلى الجدار المقابل. كانت الوجوه التي كانوا يرونها كظلال سابقة قد أصبحت الآن مجسمة، بارزة من الجدار كأنها أقنعة بشرية تطل من الجص والحجر. وجوه رجال ونساء وأطفال، بعضهم يبدو وكأنه يصرخ في عذاب، وبعضهم الآخر يبتسم ابتسامات متجمدة مريبة. والأسوأ من ذلك، أن عيونهم كانت تتحرك، تتتبع حركة الجنود في الغرفة. اقترب عمر من أحد الوجوه، مذهولا. كان الوجه لطفلة صغيرة، لا تتجاوز السابعة. فجأة، تحرك فمها بصمت، ثم خرج منه صوت طفولي نقي ومخيف في آن: "اللعبة... لعبة الاختباء... ابحثوا عنا... لا تتركونا وحدنا... الظلام يأكلنا..." قفز عمر إلى الخلف وهو يصرخ: "تبا! إنها تتكلم! إنها حقيقية!" قال العميد حازم بصوت خافت وهو يجلس القرفصاء في زاوية الغرفة: "إنها أرواحهم. كل من مات في هذه القرية محبوس هنا. لا يستطيعون الرحيل. وذلك... الشيء الذي يحكم هذا المكان... يلعب معهم لعبة أبدية." سأله يوسف بحدة: "ما هذا الشيء؟ أخبرني بكل ما تعرفه الآن!" نظر حازم إلى يوسف بعينين غائرتين: "إنه قديم. أقدم من هذه القرية، أقدم من هذا البلد. كان هنا قبل أن يخلق الإنسان. بعض القرويين كانوا يعبدونه سرا، يقدمون له القرابين ليحميهم. لكنه في النهاية التهمهم جميعا. هو ليس شبحا، وليس عفريتا. هو مكان. هو هذه القرية نفسها. القرية حية، وهي جائعة دائما." في تلك اللحظة، سمعوا صوت سقوط شيء ثقيل من الطابق العلوي. تلا ذلك صوت جر شئ ثقيل على الأرض، ثم... خطى. خطى بطيئة وثقيلة تنزل على السلم الحجري. همس سيف وهو يرفع بندقيته: "شخص ما... أو شيء ما... قادم إلينا." صوت الخطى كان يصدر صريرا غريبا، وكأن العظام الجافة تحتك ببعضها. نزل من الدرج جندي... أو ما يشبه الجندي. كان يرتدي زي الجيش المصري القديم، زي حقبة السبعينات، ممزق ومغطى بالدماء الجافة والتراب. وجهه كان شبه متحلل، إحدى عينيه مفقودة، والفك السفلي يتأرجح بشكل مرعب. توقف الكائن في أسفل الدرج، ورفع يده المتآكلة في تحية عسكرية، ثم قال بصوت أجش وكأنه يصدر من رئة مثقوبة: "النقيب يوسف... العقيد أمين... القوة 77... استشهدنا جميعا هنا... عام 1973... كنا في مهمة استطلاع... ضللنا الطريق... وجدنا القرية... لم يخرج منا أحد... الآن... نحن نخدمه... نحمي البوابة... وأنتم... ستخدمون معنا..." أطلق عمر النار مرة أخرى، هذه المرة رشقة كاملة من الرشاش. مزقت الرصاصات صدر الكائن، فتطاير قطع من القماش المتعفن والعظام المتفتتة، لكن الجندي الشبح استمر واقفا. ثم بدأ جسده يعيد تشكيل نفسه ببطء. صاح يوسف: "لا تفيد! اركضوا إلى الطابق العلوي! الآن!" ركضوا جميعا صاعدين الدرج، بينما كان الجندي الميت يتبعهم ببطء شديد، وكأنه يمثل دوره في مسرحية رعب. في الطابق العلوي، وجدوا عدة غرف. اقتحم يوسف إحداها ووجد شباكا يطل على السطح الخلفي. قال مالك: "هذا لا يكفي للنزول! الارتفاع كبير!" أخرج رامي حبل التسلق من حقيبته: "لحسن الحظ أنا أحمل معداتي دائما!" ثبتوا الحبل وبدأوا بالنزول واحدا تلو الآخر. كان سيف آخر من نزل، وقبل أن يغادر نظر خلفه. رأى الجندي الميت واقفا عند الشباك، لا يتحرك. ولكن بجانبه الآن، كان يقف طفل صغير... نفس الطفلة التي رأوا وجهها في الجدار. كانت تمسك بيد الجندي، وتلوح لسيف بيدها الأخرى مبتسمة. هبط سيف على الأرض وهو يرتجف. قال بصوت مبحوح: "علينا أن نسرع. إنهم لا يطاردوننا... إنهم فقط يوجهوننا إلى حيث يريدوننا أن نذهب." كانوا الآن في الجزء الخلفي من القرية. البيوت هنا أكثر دمارا. في الأفق، رأوا شيئا غريبا: مسجد القرية القديم، مئذنته لا تزال قائمة، ولكن من المئذنة كان يتصاعد ضوء أحمر خافت، مثل لهب بارد. قال العميد حازم: "هذا هو المركز. هذا هو قلبه. المئذنة ليست مئذنة. إنها بوابة. إذا أردتم الخروج، عليكم الدخول إلى هناك." نظر يوسف إلى رجاله. كانوا مرهقين، خائفين، ولكنهم ما زالوا على قيد الحياة. قال: "إذا كان هذا هو الطريق الوحيد، فلندخل. لكننا لن ندخل كضحايا. سندخل كجنود. مهمتنا الآن هي البقاء على قيد الحياة والعودة لنخبر العالم بما رأيناه. استعدوا." بدأوا التحرك نحو المئذنة. في الطريق، مروا بمقبرة القرية الصغيرة. كانت القبور مفتوحة كلها، فارغة. وفوق كل قبر، كان يجلس أحد الكائنات التي رأوها سابقا، الزومبي، تنظر إليهم بصمت. آلاف العيون البيضاء تتابعهم. لم يتحرك أحد منهم. كانوا فقط يراقبون، يبتسمون. همس رامي: "يا إلهي... كم عدد الذين ماتوا هنا؟" أجاب حازم: "ليس عدد الذين ماتوا... هو عدد الذين سيأكلهم. وهو يعدكم الآن أيضا." عندما وصلوا إلى باب المسجد، وهو باب حديدي صدئ ضخم، وجدوا شيئا مرسوما عليه. لم تكن كتابات عربية، بل رموز غريبة قديمة، تشبه الهيروغليفية ولكنها مختلفة، أكثر وحشية. قال مالك وهو يفحص الباب: "يا نقيب... هذا الباب غير مغلق. ولكنه يرفض الفتح. كأن هناك قوة تمنعه." تقدم سيف ودفع الباب بكل قوته. فتح الباب بسهولة مفاجئة، فسقط سيف أرضا. في تلك اللحظة، خرج من داخل المسجد صوت: "ادخلوا... ضيوفي الأعزاء... لقد اشتقت لصحبة الأحياء..." كان الصوت عميقا جدا، لدرجة أنه جعل دماغهم يرتجف داخل جماجمهم. دخل يوسف أولا. داخل المسجد، لم يكن هناك مسجد. كان هناك فضاء لا نهائي، كأنهم في قلب الفضاء الخارجي، ولكن الجدران كانت تتحرك، تتنفس. وفي وسط هذا الفضاء، كان يجلس شيء ما. كان ضخما، أسود، له آلاف الأذرع الرفيعة مثل الخيوط، تمتد في كل اتجاه، وكل خيط ينتهي بعين بشرية ترمش وتحدق. وفي زاوية هذا الفضاء، رأى الجنود شيئا جعل قلوبهم تتوقف: كان هناك أكثر من عشرين شخصا من سكان القرى المجاورة، ومن جنود سابقين، ومن مسافرين عابرين، كلهم معلقون في الهواء داخل شرانق سوداء، عيونهم مفتوحة، وهم على قيد الحياة، يصرخون دون صوت. قال الكائن بصوته المرعب: "أهلا بكم في بيتي. أنا سعيد جدا بكم. تعالوا... لنلعب لعبة." نظر يوسف إلى رجاله. كانوا جميعا يعرفون أن هذه هي اللحظة الفاصلة. إما أن يموتوا كجنود، أو يموتوا كضحايا. رفع يوسف بندقيته، وقال بصوت مرتفع وهو ينظر في عيون الكائن: "نحن لا نلعب. نحن نقتل." الفصل الثالث: اللعبة انفجر الكائن الأسود بضحكة مدوية جعلت الفضاء من حولهم يتموج كأنه سطح ماء. الآلاف من العيون في نهايات الأذرع الرفيعة رمشت في تزامن مرعب. "تقتلون؟" توقف عن الضحك فجأة. "أنتم تظنون أن هذه الألعاب النارية الصغيرة تؤذيني؟ تعالوا..." في لحظة، وجدوا أنفسهم وقد تغير المكان. لم يعودوا في الفضاء اللانهائي. أصبحوا فجأة في شوارع القرية من جديد، ولكن القرية بدت مختلفة. كانت نهارا مشمسا، الناس تمشي في الأسواق، أطفال يلعبون، نساء يشترين الخضار. الحياة تعود للقرية. قال عمر وهو يدور حول نفسه مصدوما: "كيف؟ ماذا حدث؟ هل كنا نحلم؟" اقتربت منهم امرأة عجوز تحمل سلة خبز. نظرت إليهم وابتسمت. ثم فجأة، تحول وجهها. تدلى الجلد، وخرجت الديدان من عينيها، وسقط لحمها متكسرا على الأرض، وهي لا تزال مبتسمة. ثم عادت كما كانت في لمح البصر. صوت الكائن جاء من السماء، من الأرض، من كل مكان: "هذه هي لعبتي. سأريكم الماضي. سأريكم كيف كانت القرية حية. ثم سأريكم كيف ماتت. ولكم أن تقرروا... أي جزء منها تريدون أن تكونوا؟ الأحياء... أم الأموات؟" بدأ المشهد يتسارع. رأوا القرية في يومها العادي. ثم فجأة، في لحظة محددة، توقف كل شيء. الناس تجمدوا في مكانهم. ثم بدأت الظلال تنفصل عن أصحابها. الظلال تحركت وحدها، بدأت تهاجم الناس. رأوا الظلال تخنق الرجال، تبتلع النساء، تطارد الأطفال. كان المشهد مرعبا بكل ما تحمله الكلمة من معنى: الكوابيس تصبح حقيقة، والخيال يصبح دما ولحما. صرخ رامي: "هذا يكفي! أوقف هذا!" توقف المشهد. عادوا إلى الفضاء اللانهائي داخل المسجد. الكائن كان أمامهم، قريبا جدا. رائحته كانت تشبه رائحة القبور بعد المطر مباشرة. قال الكائن: "اللعبة الحقيقية الآن. أنتم خمسة جنود ورجل عجوز. لدي هنا عشرين من الضحايا الأحياء، معلقين في شرانقهم. كل دقيقة، أقتل واحدا منهم، ما لم تقتلوا أنتم واحدا من هؤلاء." أشار بإحدى أذرعه إلى مكان آخر. ظهرت مجموعة من الأشخاص العاديين، رجال ونساء وأطفال، يجلسون خائفين في زاوية من الفضاء. كانوا يرتجفون، يبكون، يحتضنون بعضهم. تابع الكائن: "هؤلاء أيضا ضحايا سابقون. لكني أعطيتهم فرصة. أنا عادل. إذا قتلتم واحدا منهم كل دقيقة، سأترك الباقين أحياء لمدة دقيقة إضافية. الخيار لكم. أنتم من تقررون من يموت. أيها الأبطال." نظر يوسف إلى رجاله. وجوههم شاحبة. نظر إلى العميد حازم الذي كان يبكي بصمت. قال سيف بصوت مبحوح: "لا يمكننا... هذا جنون... نحن لا نقتل الأبرياء." قال الكائن: "إذن سأبدأ بالعد. عشرة... تسعة... ثمانية..." صرخ أحد الضحايا المعلقين في الشرنقة: "أنقذوني! أرجوكم! لدي أولاد!" سيف صاح: "لا تستمع إليه! هذه حيلة!" الكائن واصل العد: "خمسة... أربعة... ثلاثة..." أطلق عمر النار فجأة. ليس على الضحايا، بل على الكائن نفسه. اخترقت الرصاصات جسده الأسود، فانفجرت العيون وتطايرت الأذرع. للحظة، بدا أن الضرر قد أصابه. توقف عن العد. نظر الكائن إلى جسده الممزق، ثم إلى عمر. ثم ضحك. ضحكة مدوية. "أيها الغبي الصغير. هذا جسدي الوهمي. هذا مجرد قناع. أنا هنا..." في لحظة، اختفى الكائن. ثم ظهر خلف عمر مباشرة. إحدى الأذرع الطويلة اخترقت ظهر عمر وخرجت من صدره. نظر عمر إلى أسفل، رأى ذراعا أسود يخرج من جسده. فتح فمه ليصرخ، ولكن الأذرع الأخرى لفته بالكامل، ورفعته في الهواء، وبدأ يتحول إلى شرنقة سوداء، وعيناه لا تزالان مفتوحتين، تدمعان، تحدقان في يوسف. صاح رامي: "عمر! لا!" أطلق رشاشه على الكائن بجنون. سيف ومالك ويوسف أطلقوا النار أيضا. كان المشهد جنونيا: آلاف الأعيرة النارية تمزق جسد الكائن، وهو يضحك، يتجدد، يكبر. توقف إطلاق النار عندما نفدت الذخيرة تقريبا. نظر يوسف حوله. عمر معلق في الشرنقة، لا يتحرك. الضحايا يصرخون. رجاله منهكون، خائفون. قال الكائن وهو يكبر أكثر: "لعبتي مستمرة. هل تقتلون واحدا منهم الآن؟ أم تتركون عشرين يموتون دفعة واحدة؟" نظر يوسف إلى سيف. نظر سيف إلى مالك. نظر مالك إلى رامي. كانوا يعرفون أنهم خسروا. ليس المعركة، بل شيئا أثمن. إنسانيتهم. تقدم رامي خطوة نحو الضحايا. رفع بندقيته. بكى. كان يصوب على امرأة شابة تمسك بطفل رضيع. قالت المرأة: "لا... أرجوك... ابني..." رامي كان يرتجف. كان على وشك أن يطلق. عندها، تقدم العميد حازم ووقف أمام فوهة البندقية. قال حازم بهدوء: "لا تفعل يا بني. إذا فعلتها، سيكون قد فاز. ليس بقتلنا، بل بتحويلنا إلى وحوش مثله. أنا عميد مخابرات متقاعد. خدعت الجميع لأعيش. جئت أنا إلى هنا بمحض إرادتي قبل شهرين، ليس لأنهم اختطفوني، بل لأنني بحثت عن هذا المكان. أردت معرفة الحقيقة. والآن أعرفها. هذه اللعبة لا تنتهي أبدا. الضحايا الذين تراهم... كلهم كانوا جنودا وأبطالا مثلكم. كلهم واجهوا هذا الخيار. كلهم اختاروا القتل... أو ماتوا. وأنا اخترت الانتظار." نظر حازم إلى الكائن: "أيها العتيق... أنا أعرف اسمك الحقيقي. أعرف نقطة ضعفك. أنا جئت مستعدا." أخرج حازم من جيبه تميمة صغيرة، كانت مصنوعة من العظام، وعليها نقوش غريبة. لأول مرة، تغير وجه الكائن. اختفت الابتسامة. صرخ بصوت عال: "لا! لا تقترب! هذا لا يمكن أن يكون!" قال حازم: "هذه تميمة مصنوعة من عظام أول ضحاياك. الرجل الذي قتلك أول مرة قبل آلاف الس انفجر الضوء. ضوء أبيض قوي جدا، جعل في الظلام، همس صوت قديم: "اللعبة لم تنته بعد... لقد بدأت للتو..."
رواية: "صوت في الظلام" بقلم الكاتب عاشق الرعب الفصل الأول: المهمة كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل عندما انقطع الاتصال اللاسلكي تماما. صمت مطبق حل في أرجاء قاعدة "الصاعقة" العسكرية، ذلك الصمت الذي يسبق العواصف. تلقى النقيب "يوسف" أوامره مباشرة من القيادة: قرية نائية تدعى "الغدير"، تقع في عمق الصحراء، يعتقد أن أحد عناصر المخابرات المختطفين يحتجز فيها. المهمة: اقتحام سريع، تحرير الهدف، والعودة قبل الفجر. لا دعم جوي، لا اتصال، السرية التامة. اختار يوسف أربعة من أمهر رجاله: الرقيب الأول "سيف"، المقاتل الخبير وهادئ الأعصاب؛ والعريف "عمر"، المقاتل الشاب الطموح؛ والجندي "مالك"، خبير المتفجرات والاتصالات؛ والجندي "رامي"، القناص الحاد البصر. استقلوا سيارتين عسكريتين مصفحتين وانطلقوا في قلب الظلام. بعد ثلاث ساعات من السير على طرق وعرة، ظهرت القرية أمامهم ككتلة سوداء من الظل، لا حياة فيها. لم تكن مجرد قرية مهجورة، بل كانت مقبرة للخرسانة. منازل متآكلة، نوافذها كعيون فارغة تحدق بهم. حتى رياح الصحراء توقفت، وكأن الكون يحبس أنفاسه. قال عمر بصوت متهدج وهو يمسك بندقيته بإحكام: "يا نقيب، المكان مقبرة. أكيد المعلومات غلط." همس يوسف: "لا تستهين بالأوامر. نتحرك بحذر. سيف معي، والباقي خلفنا بمسافة. الهدف في المبنى الرئيسي." دخلوا القرية. كانت خطواتهم على الحصى المدقوقة أعلى صوتا مما ينبغي. رائحة كريهة بدأت تعبق في الجو، خليط من العفن والمواد العضوية المتعفنة، ورائحة حلوة كريهة لم يتعرفوا عليها. وصلوا إلى المبنى الرئيسي، وكان عبارة عن منزل كبير قديم له ساحة داخلية. الباب الرئيسي كان مواربا. أشار يوسف لسيف بالتقدم. دفع سيف الباب بماسورة بندقيته فانفتح بصوت صرير مزعج. في وسط الساحة، على كرسي خشبي قديم، كان يجلس الرجل المختطف. كان شاحبا، مرتديا ملابس ممزقة، وعيناه مغمضتان. بدا وكأنه في غيبوبة. تقدم يوسف بحذر وهو ينادي: "العميد حازم؟ نحن الجيش، جئنا لإخراجك." فتح الرجل عينيه فجأة، وكانتا بياضا كاملا بلا قزحية. للحظة، تجمد يوسف من هول المنظر. ثم عادت عينا الرجل إلى طبيعتهما، نظراتهما زائغة وخائفة. صاح الرجل بصوت أجش: "اخرجوا! اخرجوا بسرعة! هذا فخ! هم لا يريدوني، هم يريدونكم أنتم! جئتم بهم العشاء!" في تلك اللحظة، انطفأت الكشافات الأمامية للسيارات العسكرية فجأة. ساد الظلام الدامس لثوان قبل أن تشتعل نيران خضراء شاحبة في أركان الساحة، وكأن الأرض تشتعل. قال مالك بصوت مرتعش: "يا نقيب، الاتصال مقطوع تماما. حتى أجهزة التردد العسكرية لا تعمل. لا إشارة، لا شيء." قال العميد حازم وهو يشير إلى جدران المبنى: "إنهم هنا... يحكون... يحكون بأصوات الموتى." نظر يوسف إلى الجدران. بدأت تظهر عليها ظلال متحركة لا تتوافق مع أي مصدر ضوء. ظلال لرجال ونساء وأطفال يتحركون وكأنهم في مشهد صامت، يعيدون لحظات رعبهم الأخيرة. ثم بدأوا يسمعونها: همسات، أنين، صرخات مكتومة تأتي من تحت الأرض، من الجدران، من كل مكان. صرخ عمر: "يا نقيب، المؤخرة! هناك شيء يتحرك في الزقاق!" خرجوا مسرعين إلى الزقاق الضيق. ما رأوه جمد الدماء في عروقهم. كائنات بشرية.. أو ما تبقى منها. كانت تزحف وتتحرك بشكل متقطع وغير طبيعي. بعضها ينظر إليهم بعيون بيضاء حليبية، وبعضها الآخر بلا عيون، وأفواهها مشقوقة في ابتسامات عريضة بشكل مرعب. كانت أجسادهم مشوهة، بعضهم يجر أطرافا مقلوعة، وبعضهم الآخر يمشي ورأسه مائل بزاوية مستحيلة. أحد هذه الكائنات كان يرتدي بقايا زي عسكري قديم. رفع يده المشوهة وأشار إليهم، ثم خرج من فمه صوت يشبه صوت الراديو المتعطل: "أهلا... بكم... في... الجحيم." أطلق عمر النار من رشاشه بشكل هستيري. اخترقت الرصاصات الكائنات، لكنها استمرت في التقدم. كان الدم الذي يسيل منها أسود كثيفا، وسرعان ما التئمت جروحها أمام أعينهم. صاح سيف: "الرصاص لا يجدي! انسحبوا! انسحبوا إلى المبنى!" تراجعوا إلى داخل المبنى وأغلقوا الباب الحديدي الرئيسي. بدأت الكائنات تضرب على الباب بقوة غاشمة، والصراخ والهمسات تتعالى من الخارج. قال مالك وهو يحاول الاتصال مجددا: "نحن محاصرون. لا مفر." نظر العميد حازم إليهم بعينين دامعتين: "لم يكن الهدف تحريري. كان الهدف جلبكم إلى هنا. هم يتغذون على الخوف، على الأمل، على صرخات الأحياء. كلما زاد عدد الذين يأتون لإنقاذي، زادت قوتهم. أنتم الآن طعامهم، وأنا الطعم." توقف صوت الضرب على الباب فجأة. حل صمت رهيب. نظر يوسف إلى رجاله، ثم إلى الباب. من خلال شق صغير في الخشب، رأى عينا واحدة ضخمة تحدق به من الخارج، عين بشرية ولكنها أكبر من الطبيعي، وفي سوادها كانت ترى آلاف الأرواح تتلوى وتصرخ. همس صوت عميق قادم من تحت أقدامهم، من باطن الأرض، يجعل عظامهم تهتز: "لقد أتيتم إلينا طواعية. الآن، لن تغادروا أبدا." الفصل الثاني: الوجوه في الجدران تصلب يوسف مكانه للحظة، ثم استدار ببطء نحو رجاله. كانت وجوههم شاحبة تحت أضواء الكشافات اليدوية، ولكن عيونهم ما زالت تشع إصرارا. جنود النخبة لا يستسلمون. قال يوسف بصوت منخفض ولكن حازم: "نهدأ جميعا. هل هناك مخرج آخر من هذا المبنى؟" نظر سيف حوله. كان المبنى قديما، ذا تصميم تقليدي: ساحة داخلية تحيط بها غرف متعددة، وسلالم حجرية تؤدي إلى الطابق العلوي. قال سيف: "ربما هناك منفذ خلفي، أو شباك في الجهة الشرقية." قال مالك وهو يفحص جهاز الاتصال المحمول: "يا نقيب، البطارية تفرغ بسرعة غير طبيعية. هذا غير مألوف. الأجهزة كانت مشحونة بالكامل. وكأن شيئا يمتص الطاقة من كل شيء." بينما كان مالك يتحدث، بدأت الأضواء تومض. الكشافات اليدوية أخذت تخفت وتضيء بشكل متقطع. في أحد ومضات الظلام، صرخ رامي: "يا الله! انظروا!" نظروا جميعا إلى الجدار المقابل. كانت الوجوه التي كانوا يرونها كظلال سابقة قد أصبحت الآن مجسمة، بارزة من الجدار كأنها أقنعة بشرية تطل من الجص والحجر. وجوه رجال ونساء وأطفال، بعضهم يبدو وكأنه يصرخ في عذاب، وبعضهم الآخر يبتسم ابتسامات متجمدة مريبة. والأسوأ من ذلك، أن عيونهم كانت تتحرك، تتتبع حركة الجنود في الغرفة. اقترب عمر من أحد الوجوه، مذهولا. كان الوجه لطفلة صغيرة، لا تتجاوز السابعة. فجأة، تحرك فمها بصمت، ثم خرج منه صوت طفولي نقي ومخيف في آن: "اللعبة... لعبة الاختباء... ابحثوا عنا... لا تتركونا وحدنا... الظلام يأكلنا..." قفز عمر إلى الخلف وهو يصرخ: "تبا! إنها تتكلم! إنها حقيقية!" قال العميد حازم بصوت خافت وهو يجلس القرفصاء في زاوية الغرفة: "إنها أرواحهم. كل من مات في هذه القرية محبوس هنا. لا يستطيعون الرحيل. وذلك... الشيء الذي يحكم هذا المكان... يلعب معهم لعبة أبدية." سأله يوسف بحدة: "ما هذا الشيء؟ أخبرني بكل ما تعرفه الآن!" نظر حازم إلى يوسف بعينين غائرتين: "إنه قديم. أقدم من هذه القرية، أقدم من هذا البلد. كان هنا قبل أن يخلق الإنسان. بعض القرويين كانوا يعبدونه سرا، يقدمون له القرابين ليحميهم. لكنه في النهاية التهمهم جميعا. هو ليس شبحا، وليس عفريتا. هو مكان. هو هذه القرية نفسها. القرية حية، وهي جائعة دائما." في تلك اللحظة، سمعوا صوت سقوط شيء ثقيل من الطابق العلوي. تلا ذلك صوت جر شئ ثقيل على الأرض، ثم... خطى. خطى بطيئة وثقيلة تنزل على السلم الحجري. همس سيف وهو يرفع بندقيته: "شخص ما... أو شيء ما... قادم إلينا." صوت الخطى كان يصدر صريرا غريبا، وكأن العظام الجافة تحتك ببعضها. نزل من الدرج جندي... أو ما يشبه الجندي. كان يرتدي زي الجيش المصري القديم، زي حقبة السبعينات، ممزق ومغطى بالدماء الجافة والتراب. وجهه كان شبه متحلل، إحدى عينيه مفقودة، والفك السفلي يتأرجح بشكل مرعب. توقف الكائن في أسفل الدرج، ورفع يده المتآكلة في تحية عسكرية، ثم قال بصوت أجش وكأنه يصدر من رئة مثقوبة: "النقيب يوسف... العقيد أمين... القوة 77... استشهدنا جميعا هنا... عام 1973... كنا في مهمة استطلاع... ضللنا الطريق... وجدنا القرية... لم يخرج منا أحد... الآن... نحن نخدمه... نحمي البوابة... وأنتم... ستخدمون معنا..." أطلق عمر النار مرة أخرى، هذه المرة رشقة كاملة من الرشاش. مزقت الرصاصات صدر الكائن، فتطاير قطع من القماش المتعفن والعظام المتفتتة، لكن الجندي الشبح استمر واقفا. ثم بدأ جسده يعيد تشكيل نفسه ببطء. صاح يوسف: "لا تفيد! اركضوا إلى الطابق العلوي! الآن!" ركضوا جميعا صاعدين الدرج، بينما كان الجندي الميت يتبعهم ببطء شديد، وكأنه يمثل دوره في مسرحية رعب. في الطابق العلوي، وجدوا عدة غرف. اقتحم يوسف إحداها ووجد شباكا يطل على السطح الخلفي. قال مالك: "هذا لا يكفي للنزول! الارتفاع كبير!" أخرج رامي حبل التسلق من حقيبته: "لحسن الحظ أنا أحمل معداتي دائما!" ثبتوا الحبل وبدأوا بالنزول واحدا تلو الآخر. كان سيف آخر من نزل، وقبل أن يغادر نظر خلفه. رأى الجندي الميت واقفا عند الشباك، لا يتحرك. ولكن بجانبه الآن، كان يقف طفل صغير... نفس الطفلة التي رأوا وجهها في الجدار. كانت تمسك بيد الجندي، وتلوح لسيف بيدها الأخرى مبتسمة. هبط سيف على الأرض وهو يرتجف. قال بصوت مبحوح: "علينا أن نسرع. إنهم لا يطاردوننا... إنهم فقط يوجهوننا إلى حيث يريدوننا أن نذهب." كانوا الآن في الجزء الخلفي من القرية. البيوت هنا أكثر دمارا. في الأفق، رأوا شيئا غريبا: مسجد القرية القديم، مئذنته لا تزال قائمة، ولكن من المئذنة كان يتصاعد ضوء أحمر خافت، مثل لهب بارد. قال العميد حازم: "هذا هو المركز. هذا هو قلبه. المئذنة ليست مئذنة. إنها بوابة. إذا أردتم الخروج، عليكم الدخول إلى هناك." نظر يوسف إلى رجاله. كانوا مرهقين، خائفين، ولكنهم ما زالوا على قيد الحياة. قال: "إذا كان هذا هو الطريق الوحيد، فلندخل. لكننا لن ندخل كضحايا. سندخل كجنود. مهمتنا الآن هي البقاء على قيد الحياة والعودة لنخبر العالم بما رأيناه. استعدوا." بدأوا التحرك نحو المئذنة. في الطريق، مروا بمقبرة القرية الصغيرة. كانت القبور مفتوحة كلها، فارغة. وفوق كل قبر، كان يجلس أحد الكائنات التي رأوها سابقا، الزومبي، تنظر إليهم بصمت. آلاف العيون البيضاء تتابعهم. لم يتحرك أحد منهم. كانوا فقط يراقبون، يبتسمون. همس رامي: "يا إلهي... كم عدد الذين ماتوا هنا؟" أجاب حازم: "ليس عدد الذين ماتوا... هو عدد الذين سيأكلهم. وهو يعدكم الآن أيضا." عندما وصلوا إلى باب المسجد، وهو باب حديدي صدئ ضخم، وجدوا شيئا مرسوما عليه. لم تكن كتابات عربية، بل رموز غريبة قديمة، تشبه الهيروغليفية ولكنها مختلفة، أكثر وحشية. قال مالك وهو يفحص الباب: "يا نقيب... هذا الباب غير مغلق. ولكنه يرفض الفتح. كأن هناك قوة تمنعه." تقدم سيف ودفع الباب بكل قوته. فتح الباب بسهولة مفاجئة، فسقط سيف أرضا. في تلك اللحظة، خرج من داخل المسجد صوت: "ادخلوا... ضيوفي الأعزاء... لقد اشتقت لصحبة الأحياء..." كان الصوت عميقا جدا، لدرجة أنه جعل دماغهم يرتجف داخل جماجمهم. دخل يوسف أولا. داخل المسجد، لم يكن هناك مسجد. كان هناك فضاء لا نهائي، كأنهم في قلب الفضاء الخارجي، ولكن الجدران كانت تتحرك، تتنفس. وفي وسط هذا الفضاء، كان يجلس شيء ما. كان ضخما، أسود، له آلاف الأذرع الرفيعة مثل الخيوط، تمتد في كل اتجاه، وكل خيط ينتهي بعين بشرية ترمش وتحدق. وفي زاوية هذا الفضاء، رأى الجنود شيئا جعل قلوبهم تتوقف: كان هناك أكثر من عشرين شخصا من سكان القرى المجاورة، ومن جنود سابقين، ومن مسافرين عابرين، كلهم معلقون في الهواء داخل شرانق سوداء، عيونهم مفتوحة، وهم على قيد الحياة، يصرخون دون صوت. قال الكائن بصوته المرعب: "أهلا بكم في بيتي. أنا سعيد جدا بكم. تعالوا... لنلعب لعبة." نظر يوسف إلى رجاله. كانوا جميعا يعرفون أن هذه هي اللحظة الفاصلة. إما أن يموتوا كجنود، أو يموتوا كضحايا. رفع يوسف بندقيته، وقال بصوت مرتفع وهو ينظر في عيون الكائن: "نحن لا نلعب. نحن نقتل." الفصل الثالث: اللعبة انفجر الكائن الأسود بضحكة مدوية جعلت الفضاء من حولهم يتموج كأنه سطح ماء. الآلاف من العيون في نهايات الأذرع الرفيعة رمشت في تزامن مرعب. "تقتلون؟" توقف عن الضحك فجأة. "أنتم تظنون أن هذه الألعاب النارية الصغيرة تؤذيني؟ تعالوا..." في لحظة، وجدوا أنفسهم وقد تغير المكان. لم يعودوا في الفضاء اللانهائي. أصبحوا فجأة في شوارع القرية من جديد، ولكن القرية بدت مختلفة. كانت نهارا مشمسا، الناس تمشي في الأسواق، أطفال يلعبون، نساء يشترين الخضار. الحياة تعود للقرية. قال عمر وهو يدور حول نفسه مصدوما: "كيف؟ ماذا حدث؟ هل كنا نحلم؟" اقتربت منهم امرأة عجوز تحمل سلة خبز. نظرت إليهم وابتسمت. ثم فجأة، تحول وجهها. تدلى الجلد، وخرجت الديدان من عينيها، وسقط لحمها متكسرا على الأرض، وهي لا تزال مبتسمة. ثم عادت كما كانت في لمح البصر. صوت الكائن جاء من السماء، من الأرض، من كل مكان: "هذه هي لعبتي. سأريكم الماضي. سأريكم كيف كانت القرية حية. ثم سأريكم كيف ماتت. ولكم أن تقرروا... أي جزء منها تريدون أن تكونوا؟ الأحياء... أم الأموات؟" بدأ المشهد يتسارع. رأوا القرية في يومها العادي. ثم فجأة، في لحظة محددة، توقف كل شيء. الناس تجمدوا في مكانهم. ثم بدأت الظلال تنفصل عن أصحابها. الظلال تحركت وحدها، بدأت تهاجم الناس. رأوا الظلال تخنق الرجال، تبتلع النساء، تطارد الأطفال. كان المشهد مرعبا بكل ما تحمله الكلمة من معنى: الكوابيس تصبح حقيقة، والخيال يصبح دما ولحما. صرخ رامي: "هذا يكفي! أوقف هذا!" توقف المشهد. عادوا إلى الفضاء اللانهائي داخل المسجد. الكائن كان أمامهم، قريبا جدا. رائحته كانت تشبه رائحة القبور بعد المطر مباشرة. قال الكائن: "اللعبة الحقيقية الآن. أنتم خمسة جنود ورجل عجوز. لدي هنا عشرين من الضحايا الأحياء، معلقين في شرانقهم. كل دقيقة، أقتل واحدا منهم، ما لم تقتلوا أنتم واحدا من هؤلاء." أشار بإحدى أذرعه إلى مكان آخر. ظهرت مجموعة من الأشخاص العاديين، رجال ونساء وأطفال، يجلسون خائفين في زاوية من الفضاء. كانوا يرتجفون، يبكون، يحتضنون بعضهم. تابع الكائن: "هؤلاء أيضا ضحايا سابقون. لكني أعطيتهم فرصة. أنا عادل. إذا قتلتم واحدا منهم كل دقيقة، سأترك الباقين أحياء لمدة دقيقة إضافية. الخيار لكم. أنتم من تقررون من يموت. أيها الأبطال." نظر يوسف إلى رجاله. وجوههم شاحبة. نظر إلى العميد حازم الذي كان يبكي بصمت. قال سيف بصوت مبحوح: "لا يمكننا... هذا جنون... نحن لا نقتل الأبرياء." قال الكائن: "إذن سأبدأ بالعد. عشرة... تسعة... ثمانية..." صرخ أحد الضحايا المعلقين في الشرنقة: "أنقذوني! أرجوكم! لدي أولاد!" سيف صاح: "لا تستمع إليه! هذه حيلة!" الكائن واصل العد: "خمسة... أربعة... ثلاثة..." أطلق عمر النار فجأة. ليس على الضحايا، بل على الكائن نفسه. اخترقت الرصاصات جسده الأسود، فانفجرت العيون وتطايرت الأذرع. للحظة، بدا أن الضرر قد أصابه. توقف عن العد. نظر الكائن إلى جسده الممزق، ثم إلى عمر. ثم ضحك. ضحكة مدوية. "أيها الغبي الصغير. هذا جسدي الوهمي. هذا مجرد قناع. أنا هنا..." في لحظة، اختفى الكائن. ثم ظهر خلف عمر مباشرة. إحدى الأذرع الطويلة اخترقت ظهر عمر وخرجت من صدره. نظر عمر إلى أسفل، رأى ذراعا أسود يخرج من جسده. فتح فمه ليصرخ، ولكن الأذرع الأخرى لفته بالكامل، ورفعته في الهواء، وبدأ يتحول إلى شرنقة سوداء، وعيناه لا تزالان مفتوحتين، تدمعان، تحدقان في يوسف. صاح رامي: "عمر! لا!" أطلق رشاشه على الكائن بجنون. سيف ومالك ويوسف أطلقوا النار أيضا. كان المشهد جنونيا: آلاف الأعيرة النارية تمزق جسد الكائن، وهو يضحك، يتجدد، يكبر. توقف إطلاق النار عندما نفدت الذخيرة تقريبا. نظر يوسف حوله. عمر معلق في الشرنقة، لا يتحرك. الضحايا يصرخون. رجاله منهكون، خائفون. قال الكائن وهو يكبر أكثر: "لعبتي مستمرة. هل تقتلون واحدا منهم الآن؟ أم تتركون عشرين يموتون دفعة واحدة؟" نظر يوسف إلى سيف. نظر سيف إلى مالك. نظر مالك إلى رامي. كانوا يعرفون أنهم خسروا. ليس المعركة، بل شيئا أثمن. إنسانيتهم. تقدم رامي خطوة نحو الضحايا. رفع بندقيته. بكى. كان يصوب على امرأة شابة تمسك بطفل رضيع. قالت المرأة: "لا... أرجوك... ابني..." رامي كان يرتجف. كان على وشك أن يطلق. عندها، تقدم العميد حازم ووقف أمام فوهة البندقية. قال حازم بهدوء: "لا تفعل يا بني. إذا فعلتها، سيكون قد فاز. ليس بقتلنا، بل بتحويلنا إلى وحوش مثله. أنا عميد مخابرات متقاعد. خدعت الجميع لأعيش. جئت أنا إلى هنا بمحض إرادتي قبل شهرين، ليس لأنهم اختطفوني، بل لأنني بحثت عن هذا المكان. أردت معرفة الحقيقة. والآن أعرفها. هذه اللعبة لا تنتهي أبدا. الضحايا الذين تراهم... كلهم كانوا جنودا وأبطالا مثلكم. كلهم واجهوا هذا الخيار. كلهم اختاروا القتل... أو ماتوا. وأنا اخترت الانتظار." نظر حازم إلى الكائن: "أيها العتيق... أنا أعرف اسمك الحقيقي. أعرف نقطة ضعفك. أنا جئت مستعدا." أخرج حازم من جيبه تميمة صغيرة، كانت مصنوعة من العظام، وعليها نقوش غريبة. لأول مرة، تغير وجه الكائن. اختفت الابتسامة. صرخ بصوت عال: "لا! لا تقترب! هذا لا يمكن أن يكون!" قال حازم: "هذه تميمة مصنوعة من عظام أول ضحاياك. الرجل الذي قتلك أول مرة قبل آلاف الس انفجر الضوء. ضوء أبيض قوي جدا، جعل في الظلام، همس صوت قديم: "اللعبة لم تنته بعد... لقد بدأت للتو..."

سعيد بدر عاشق الرعب

48 كتاب 9 متابع
هناك من يظن ان معظم القصص التي سمعناها مع كل ما تحمله من الخوف ورعب وقلق مجرد خرافات لكنهم مخطئون

هل تنصح بهذا الكتاب؟

تم

الردود على المراجعة

آسف، أنت بحاجة إلى تسجيل الدخول أولا لتتمكن من الرد على المراجعات.