قد تسعد لو مرت عليك ذكرى، وقد تيأس وتبكي أحيانا، لكن أن تكون الحياة ظالمة دائما، ولا ترى فيها ثمة ثقب من النور، فهي الطامة الكبرى. هذه روح بائسة، لا تجد لها شفاء مما يحيط بها من الغم إلا الحكي، مع أن هذا الحكي يزيدها بؤسا على بؤس، ونكدا لا برء منه، لكنها تواصل الحكي، فللحكي فتنة، للحكي ضمير يأكل الحي قبل الميت، للحكي مأثرة أن يراك الآخرون، ولا يعنيك إن كانوا سيسرون مما تحكيه، أم سيظهر أمامهم غم أسود لا يعرفون كيف الخلاص منه، لكنك تحكي، على رغم أنك لا تجلب سرورا على أحد، ولا حتى على نفسك، الحكاءة بالسوء.
في مجموعة (يد بيضاء مشعة) للكاتب المصري (عبد النبي فرج)، الصادرة منذ أيام عن (منشورات ألف ليلة)، مصداق لما ستراه من عنف المجتمع، قد يكون هذا العنف ضدك أو معك، لكنه عنف مرير، تخجل منه، وتستبين أن هذا المجتمع لم يعد يرحم، لم يعد يئن من المآسي التي تترنح بين جنباته، خاصة في الأرياف والمناطق الشعبية التي يقع عليها الظلم مضاعفا، أما ساكنوها فلم يعودوا يبالون حتى بما يرونه، بل ربما (أقول) قد اعتادوا عليه، لكنه يظل (في النهاية) نمطا من العنف المرير، عليك أن تحتمله وتحتمل روايته هنا في هذا الكتاب الصغير (75 صفحة)، مع أن تأثيره واسع وغريب وسام وقاتل أحيانا، يخرق روحك في الصميم.
تبدأ المجموعة بحارس بسيط يقتل ابنه أمام عينيه، لجرم ما لم يفصح عنه، وكل ما يريد الأب المسكين هو أن يواري جثته، في هدوء، فيمضي إلى (أولاد الأصول) يطالب بجيفة ابنه فحسب، مع ذلك فالجزاء رصاصة، تلحقه بابنه. وفي قصة (الممثلة) ثمة وضع مهين، ممثلة تقوم بدور، وللممثل دور أمامها، لكن المؤسي أنه دور امرأة، فأنى له أن يكبت فيه مفاتن الممثلة، ويستعير روح أنثى، حتى يتمتع أخيرا بما أهانه.
تستمر المآسي في عنف لا يريم، ففي قصة (يد بيضاء مشعة)، نرى مشروع كاتب، عبر الخطاب الثقافي المبثوث بالقصة، كاتب بسيط يريد التحقق ولا يبلغه، وترصد القصة لحظة شوق للكتابة يمارسها في محاولته تقبيل إصبع سيدة بمواصلة عامة لا تزيده إلا حنينا للتحقق. وفي قصة (الذئبة) محاولة أخرى للتشفي من التحقق، ثمة امرأة جميلة، لكن لصة، تبيع مصاغا مزيفا، لكن الجواهرجي يأبى التصالح، فتسجن، وبعدما تخرج تتزوج مجرما، وكل همها الانتقام، لكنه يستكين إلى جمالها، فتضطر لاستئجار آخر، لكن لتقوم هي بتنفيذ الجريمة بيدها في قدرة مذهلة.
في قصة (ليل رجل هرم) مأساة جديدة، رجل عجوز، يستميله صدر ممثلة بفيلم قديم، فيحاول قضاء حاجته مع زوجته النافقة، لكنها تأبى، برغم الضرب (أنا أم رجالة، يا حاج). أما قصة (عباد الشمس)، فهي عن عانس ترفض تغيير أحوالها، وأمامها بعضهم، وحين أغرمت برجل ميسور الحال، لم تذعن بل آثرت أن تظل كما هي، دون مغامرة، خشية أن تصيب روحها الخسائر. أما درة المجموعة فهي قصة (غيلة)، شاب يصر أن يحمل راية ويهتف، مع أنه يدرك مصيره، فقد أثقلت كتفيه (أرواح الراحلين)، ويتقدم، لتخرق ظهره رصاصة، فتسمع من فمه بقايا كلمة (خلاص).
عبد النبي فرج، يبني عالمه من وقائع قد تراها هنا وهناك، لكنه يرويها في مجموعته هذه بمشرط، يشق به غلالة روحك، فلا ترى ألمك إلا مثقلا، ولا تترك الكتاب إلا يائسا من أن العدل قد ينهض يوما، مع أنه ماثل أمامك كحق قائم، معلق بين عينيك كخرقة بالية!
الشاعر والناقد محمد عيد ابراهيم
قد تسعد لو مرت عليك ذكرى، وقد تيأس وتبكي أحيانا، لكن أن تكون الحياة ظالمة دائما، ولا ترى فيها ثمة ثقب من النور، فهي الطامة الكبرى. هذه روح بائسة، لا تجد لها شفاء مما يحيط بها من الغم إلا الحكي، مع أن هذا الحكي يزيدها بؤسا على بؤس، ونكدا لا برء منه، لكنها تواصل الحكي، فللحكي فتنة، للحكي ضمير يأكل الحي قبل الميت، للحكي مأثرة أن يراك الآخرون، ولا يعنيك إن كانوا سيسرون مما تحكيه، أم سيظهر أمامهم غم أسود لا يعرفون كيف الخلاص منه، لكنك تحكي، على رغم أنك لا تجلب سرورا على أحد، ولا حتى على نفسك، الحكاءة بالسوء.
في مجموعة (يد بيضاء مشعة) للكاتب المصري (عبد النبي فرج)، الصادرة منذ أيام عن (منشورات ألف ليلة)، مصداق لما ستراه من عنف المجتمع، قد يكون هذا العنف ضدك أو معك، لكنه عنف مرير، تخجل منه، وتستبين أن هذا المجتمع لم يعد يرحم، لم يعد يئن من المآسي التي تترنح بين جنباته، خاصة في الأرياف والمناطق الشعبية التي يقع عليها الظلم مضاعفا، أما ساكنوها فلم يعودوا يبالون حتى بما يرونه، بل ربما (أقول) قد اعتادوا عليه، لكنه يظل (في النهاية) نمطا من العنف المرير، عليك أن تحتمله وتحتمل روايته هنا في هذا الكتاب الصغير (75 صفحة)، مع أن تأثيره واسع وغريب وسام وقاتل أحيانا، يخرق روحك في الصميم.
تبدأ المجموعة بحارس بسيط يقتل ابنه أمام عينيه، لجرم ما لم يفصح عنه، وكل ما يريد الأب المسكين هو أن يواري جثته، في هدوء، فيمضي إلى (أولاد الأصول) يطالب بجيفة ابنه فحسب، مع ذلك فالجزاء رصاصة، تلحقه بابنه. وفي قصة (الممثلة) ثمة وضع مهين، ممثلة تقوم بدور، وللممثل دور أمامها، لكن المؤسي أنه دور امرأة، فأنى له أن يكبت فيه مفاتن الممثلة، ويستعير روح أنثى، حتى يتمتع أخيرا بما أهانه.
تستمر المآسي في عنف لا يريم، ففي قصة (يد بيضاء مشعة)، نرى مشروع كاتب، عبر الخطاب الثقافي المبثوث بالقصة، كاتب بسيط يريد التحقق ولا يبلغه، وترصد القصة لحظة شوق للكتابة يمارسها في محاولته تقبيل إصبع سيدة بمواصلة عامة لا تزيده إلا حنينا للتحقق. وفي قصة (الذئبة) محاولة أخرى للتشفي من التحقق، ثمة امرأة جميلة، لكن لصة، تبيع مصاغا مزيفا، لكن الجواهرجي يأبى التصالح، فتسجن، وبعدما تخرج تتزوج مجرما، وكل همها الانتقام، لكنه يستكين إلى جمالها، فتضطر لاستئجار آخر، لكن لتقوم هي بتنفيذ الجريمة بيدها في قدرة مذهلة.
في قصة (ليل رجل هرم) مأساة جديدة، رجل عجوز، يستميله صدر ممثلة بفيلم قديم، فيحاول قضاء حاجته مع زوجته النافقة، لكنها تأبى، برغم الضرب (أنا أم رجالة، يا حاج). أما قصة (عباد الشمس)، فهي عن عانس ترفض تغيير أحوالها، وأمامها بعضهم، وحين أغرمت برجل ميسور الحال، لم تذعن بل آثرت أن تظل كما هي، دون مغامرة، خشية أن تصيب روحها الخسائر. أما درة المجموعة فهي قصة (غيلة)، شاب يصر أن يحمل راية ويهتف، مع أنه يدرك مصيره، فقد أثقلت كتفيه (أرواح الراحلين)، ويتقدم، لتخرق ظهره رصاصة، فتسمع من فمه بقايا كلمة (خلاص).
عبد النبي فرج، يبني عالمه من وقائع قد تراها هنا وهناك، لكنه يرويها في مجموعته هذه بمشرط، يشق به غلالة روحك، فلا ترى ألمك إلا مثقلا، ولا تترك الكتاب إلا يائسا من أن العدل قد ينهض يوما، مع أنه ماثل أمامك كحق قائم، معلق بين عينيك كخرقة بالية!
الشاعر والناقد محمد عيد ابراهيم
المزيد...